دكتاتورية المال السياسي وتخبط اليسار في فلسطين

دكتاتورية المال السياسي وتخبط اليسار في فلسطين

مقال بصفحه 36

رائف حسين 

لم تكن الخطوة التي قام بها الرئيس محمود عباس بتجميد مخصصات الجبهتين الشعبيه والديمقراطيه لتحرير فلسطين من الصندوق القومي الفلسطيني، بخطوة جديدة. سوط المال السياسي عمره كعمر العمل الوطني الفلسطيني. مراراً وتكراراً استعمل هذا السلاح من قبل الفصيل المتنفذ في الحالة الفلسطينيه لشراء ولاءات او لمعاقبة أشخاص وحركات داخل وخارج مؤسسات م ت ف. الإيجابي بالخطوة هو اعادة تسليط الأنظار على الصندوق القومي الفلسطيني الذي تقدر ميزانيته ببعض المليارات والذي تتصرف به حفنه قليله من الشخصيات الفلسطينيه بعيده عن كل مراقبة ومحاسبة. ومنذ قيام السلطة الفلسطينيه اختفى أمر هذا الصندوق وخبره من الواقع الفلسطيني.  

الجديد بالأمر هو التوقيت والسياق الذي اختير لهذه الخطوة. تصريح الجبهتين بان هذه الخطوة أتت „كعقاب“ على مواقف الجبهتين من سياسه محمود عباس هو تصريح للاستهلاك العام ولا يضع النقاط على الحروف وان كان هذا التصريح صائب للوهلة الاولى . 

الجبهتان كانتا وما زالتا، ولو بتفاوت، على رأس المعسكر الفلسطيني المناهض لاتفاقات اوسلو وكل إرهاصاتها من تنسيق أمني وارتباط اقتصادي كامل بالدوله الصهيونيه. الجبهتان كانتا وما زالتا العمود الفقري للمعارضة داخل منظمة التحرير والسلطة الفلسطينيه. مواقف الحزبان بخطوطهم العريضه لتطوير الأداء السياسي الفلسطيني وتطوير المقاومة ضد الاحتلال لم تتغير بالعقدين الاخيرين. اذا الدافع لهذه الخطوه اللاوطنيه من قبل الرئيس محمود عباس منبعه في موقع اخر والجواب على هذا العمل المشين لا بد ان يكون رد اخر غير التنديد الخجول بالخطوه والمطالبه „برفع العقوبات“ عن الجبهتين، وان كان هذا الطلب محق الا انه لم يعد كاف ولم يعد يشفي غل أنصار الحزبين والأكثرية الساحقة من ابناء شعبنا ومن ضمنهم ابناء حركة فتح اللذون سأموا هذا الأداء السياسي الرديء لمطبخ الرئيس والتفرد بالقرار بعيد عن مؤسسات الشعب واطره المعتمدة. 

الحالة الفلسطينيه أصبحت بعد ثمانية سنوات ونيف من الانقسام وارتماء كل من فتح الرئاسة وحركة حماس في حضن قوى خارجية تعمل جاهدة وبكل وسائلها وإمكانياتها المادية والدبلوماسية للإجهاض على القضيه الفلسطينيه ، في وضع حرج جداً. هذا الوضع الذي يتبلور في الكواليس الدبلوماسية الاقليميه والعالميه بهدوء يتطلب استراتيجيه نضاليه جديدة من اليسار الديمقراطي الفلسطيني. استراتيجية مبنيه على إنهاء التشرذم في جسم اليسار الفلسطيني والبدء بصياغة جبهة ديمقراطيه وطنيه عريضة ضد التفرد من قبل طرفي الانقسام وتقديم اليسار نفسه كبديل وطني حقيقي لقيادة مسيرة التحرير والتأكيد على الثوابت الفلسطينيه الوطنيه وعلى الهويه الجامعه لعموم الشعب الفلسطيني الممثلة في م ت ف. 

القضية الفلسطينيه والصراع الفلسطيني الصهيوني كانا وما زالا الحلقة المركزية في الإقليم وهذا يظهر جلياً في الحركة الدبلوماسية الكثيفة التي تقوم بها أطراف مهمه في الإقليم لترويض الطرفيين المتنفذين في الساحة الفلسطينيه لقبول حل “ معقول“ مع الكيان الصهيوني يحفظ لطرفي الانقسام مصالحهم الفؤويه والشخصية الضيقة ويتيح لهذه الأطراف العودة الى مركز الحدث الإقليمي بعد ان خسروا مراهناتهم التي بدأت مع ما يسمى بالربيع العربي. 

 في ظل ظهور بداية نهاية مرتقبة للوضع السوري والحرب السعوديه على اليمن اصبح إيجاد حل للقضيه الفلسطينيه من أولويات القوى التي تراهن لنفسها على مكانة في الإقليم بعد ان خسرت وانتكست بمشروعها الاخواني التدميري للشرق من السيطرة الكامله على الإقليم وباتت القضيه الفلسطينيه هي الجسر الوحيد الذي يضمن لهذه القوى الدخول في معادلة ترتيب الشرق الأوسط الجديد. هذا الشرق الاوسطي الجديد التي بدأت ترسم معالمه واضحه ضمن النظام العالمي الجديد ونهاية التفرد الامريكي الغربي بالسياسة الدولية التي ظهرت للعيان بالحرب الاوكرانية وانتهت بالتدخل الروسي المباشر بسوريا والتسليم الغربي بروسيا كقوة عالمية لا يمكن تجاهلها في حل نزاعات عالميه مركزية واستمرت بلورة الشرق الجديد بالتوقيع على الملف النووي الإيراني واقتناع الولايات المتحدة وحلفاءها في الغرب وفي الإقليم ان ايران اللاعب الإقليمي الاول الذي لا يمكن تجاوزها في أية تسوية إقليمية بعد اليوم. 

الشرق الأوسط الجديد ينقسم الى معسكرين متناحرين: معسكر المقاومة الذي يضم ايران وسوريا والعراق وحزب الله ومعسكر الاستبداد الذي يضم تركيا وإسرائيل والسعوديه وقطر. وبين المعسكرين دول شرق اوسطية تظهر بين الحين والآخر اصطفافها الى جانب المعسكر المقاوم مثل الجزائر وتونس والكويت ودوّل اخرى تتقرب بحذر للمعسكر الاستبدادي مثل مصر. 

في مخض هذا التجاذب والاسطفاف بين قوى الإقليم وجدت سلطة رام الله نفسها في حضن السعوديه وسلطة غزه ارتمت في احضان تركيا وقطر وبقي اليسار الفلسطيني يتأرجح ولم يحسم أمره بعد. اليسار الفلسطيني وقع ومنذ انهيار الاتحاد السوفيتي، الحليف الاول لقوى اليسار، في مصيدة “ الحياد والموقف المتوازن“. هذه الاستراتيجيه كانت ناجعه وضرورية بحد ما في السنوات الأخير للقرن العشرين الا انها أصبحت الان وفي ظل البنيه الجديدة للإقليم والتحالفات الاستراتيجية بالعالم السبب الاول لتراجع هذه القوى الفلسطينيه التي ما زالت تعيش في زمن الأيدلوجيات علماً اننا في الشرق عاماً وفي الحالة الفلسطينية خاصة أصبحنا في عصر ما بعد الأيدلوجيات. في خضم هذا التخبط بين الأيدلوجي والبراغماتي نمت قوى وأطراف داخل اليسار الفلسطيني التي حاولت ان تتأقلم مع الوضع في الحالة الفلسطينيه وتمركزت في مواقع أوليه وأصبحت سد مانع امام تطور اليسار واتخاذه لقرارات مصيرية تتعلق بمستقبله كحزب وكحركة وطنية وبمستقبل القضيه الوطنية بشكل عام.   

اليسار الفلسطيني عليه ان يحسم إمرة بموقفين أساسيين لا بد منهما ان أراد فعلا ان يخرج من قوقعة الذوبان البطيء: 

أولاً عليه ان يقوم بعملية „تنظيف“ داخل صفوفه من الشخصيات التي تخندقت في سلطة رام الله وأصبحت اقرب من هذه السلطة وابتعدت في مواقف جمة من سياسة حركاتها وأصبحت رادع قوي لأخذ اليسار دوره كمعارضه فعالة وصاحب برنامج نضالي تحريري بديل لتلك السياسة التي يرسمها مطبخ الرئيس منذ سنوات. وكذلك علية التخلص من التبعية التي بنتها بعض شخصيات اليسار لسلطة غزة والتي شنجت كل إمكانيات العمل الوطني المعارض في القطاع. وأصبح اليسار بغزه مجرد مجموعة من الجمعيات الخيرية التي تنتظر الفتات القادم من قوى خارجيه. 

ثانيا على اليسار الفلسطيني ان يحسم أمره ويبين موقعه في البنية الجديدة للشرق الأوسط. كما هو الحال فالطبيعة لا تتحمل الفراغ وكذلك في السياسة لا يوجد فراغ… اما ان تكون في حلف الاستبداد وتتبع للسعودية وتركيا كما فعلت كل من سلطة رام الله وسلطة غزة او ان تصطف مع هؤلاء الذين ما زالو يرفعوا علم فلسطين وراية التحرير ويرفضوا الهيمنه الاخوانية على الارض وشعوبها. الحياد يعني الفناء… 

ما يحاك في الكواليس الدبلوماسية الان ومن المتوقع ظهوره في الأشهر القادمة هو برنامج للإجهاض الكامل على الحلم الفلسطيني في إقامة دولته في حدود ١٩٦٧ وعاصمتها القدس الشرقية وللحد من نفوذ حلف المقاومة.

 قوى اوروبية وقوى اقليمية تعمل بدعم وضغط مباشر من الادارة الامريكية لاقناع كل من اسرائيل وسلطات رام الله وغزه بقبول مشروع جديد للتسوية يتضمن الخطوات التالية: اسرائيل تعترف وتقبل لفظياً بالمبادرة العربية للسلام بعدها تبدأ محادثات مفتوحة لا سقف زمنياً لها لتطبيق خطوات عملية على الارض. أولى الخطوات تكون بان تعترف اسرائيل رمزياً بحق الفلسطينيين بإقامة دولة مستقلة ضمن حدود ١٩٦٧ ويبدأ العمل بتثبيت معالم هذه الدولة في قطاع غزه وحكم ذاتي واسع تابع لغزة ضمن مناطق (أ) وعوده محدودة لبضع آلاف من اللاجئين لاراضي فلسطين التاريخية وإقامة صندوق دولي لتعويض الباقي من اللاجئين بعد قبولهم المبدأي بالتنازل عن حقهم. ويتبع هذا في خطوات مباشرةً توسيع جغرافي للقدس مقبول عالمياً ليتسنى لإسرائيل لاحقاً “ التنازل“ عن قسم منها يسمى رسمياً بروتوكولياً “ القدس الشرقية“ لتبني عليه السلطة الفلسطينيه عاصمتها الرمزيه.

 في المحادثات التي ستدوم سنوات سيتم البحث في أمرين هامين أولاً طريقة تعويض اللاجئين وثانية آلية تبادل الاراضي بين فلسطين وإسرائيل وهنا سيأتي مجدداً مشروع سيناء. هذا المشروع الذي يرى ان تستأجر دولة فلسطين من مصر مساحة من أراضي سيناء لمدة ٩٩ عاماً. المساحة المتداولة تقرب ضعف مساحة قطاع غزة تقام عليها بعض المدن الكبيرة التي ستستوعب مئات الآلاف من اللاجئين القادمين من الخارج والذين تلقوا تعويضات خسية عن ممتلكاتهم في فلسطين. 

وسيعتمد السكان هناك على السياحة والخدمات بالمقابل تقوم فلسطين بالتخلي عن مناطق بالضفة لصالح المستوطنات الصهيونيه خصوصاً تلك المناطق الموجودة الان ضمن المنطقه (ج). الحلف التركي السعودي بمساعدة قطر ومصر يعمل جاهدا لتقريب وجهات النظر بين رام الله وغزه. اللقاء الذي سمي زوراً لقاء مصالحة في السعودية كان احدى هذه الخطوات تلتها زيارات مكوكية لوفود حمساوية لكل من قطر وتركيا وتبعتها زيارات للرئيس محمود عباس لاوروبا وبعض الدول العربيه. واصطفاف الرئيس محمود عباس الى جانب الحلف السعودي في حربه العدوانيه على اليمن وانضمامه الى الهجمة السعودية الشرسة على حزب الله تحت اسم “ التحالف الاسلامي لمحاربة الارهاب“ وسكوت حماس عن كل هذا… كلها خطوات يمكن فهمها من زاوية “ دفع الفاتوره“.. قطع مخصصات الجبهتين من الصندوق القومي الفلسطيني لا يمكن فهمها خارج هذا السياق العام والاصطفافات الجديدة بالإقليم … السؤال الذي يطرح نفسه هو : أين اليسار الديمقراطي الفلسطيني من كل هذا؟ ماذا يعني رده الخجول على كل احداث الإقليم التي تؤثر مباشرة على الوضع الفلسطيني ومصير الوطن؟  

جواب اطراف اليسار الفلسطيني على هذه الاستراتيجية وعلى هذه المستجدات الاقليميه سوف يحدد بشكل أساسي مصير قسم كبير من هذه الحركات. 

Schreib einen Kommentar

Deine E-Mail-Adresse wird nicht veröffentlicht. Erforderliche Felder sind markiert *