السياسة فن الممكن! – بين الاستراتيجية والتكتيك

مقال بصفحة 37
رائف حسين – المانيا

المراقب للحالة الفلسطينيه لا يسعه الا ان يهز رأسه متحيرا مستغربا مما تقوم به القيادات الفلسطينيه بأطيافها المختلفة. فهي بعيدة كل البعد من ان تتماشى وتتناغم مع دقات قلب الشارع الفلسطيني ولا تعمل، ولو جزء مما بوسعها، للتجاوب مع طموحاته وحاجاته الحياتية والوطنية. القيادة الفلسطينية في وادِ والشعب الفلسطيني في وادِ اخر..
الحالة الرسمية الفلسطينية موجودة منذ سنوات في غرفة الإنعاش تصارع الموت رغم ان مقومات الحياة انعدمت منذ زمن طويل. لكن بما ان الموت والحياة في الحالة الفلسطينية لم يعد، وذلك منذ أمد طويل، شأن فلسطيني بحت، بل اصبح امر تتحكم بها قوى اخرى خارجية بعيدة وقريبة. هذه القوى هي التي تنظم حركة ومنظومة حياة قيادة الشعب الفلسطيني الذي كبل باتفاقات هزيلة وتمويل مشروط وأصبح رهينة لمقايضات إقليميه وملعب لمغامري السياسة وهواتها.
وبدل ان يصل الساده في القيادة الفلسطينية الى الاستخلاص الأقرب والأسهل للخروج من هذه الدوامة بالعوده الى حضن الشعب وحمايته، تراهم يتراكضون وبتسارع مذهل ليلقوا بأنفسهم باحضان اسيادهم ومموليهم.
أحداً لا يستطيع ان يقرأ ما يجول في خاطرهم، لكننا على يقين بأنهم لا يملكون استراتيجية تحرك وطنيه ولا تكتيك مواجهه لحظية. هم أصبحوا يُحّٓرَكُوا عن بعد كالروبوت. خطواتهم، تصريحاتهم وسياسة اللاسياسة المتبعه عندهم كلها خناجر في الجسم الوطني الفلسطيني. وهي، استراتيجيتهم الغير وطنيه، السبب الاول لما آلت اليه الحالة الفلسطينية. نعم انتم اخوتي في قيادة حماس وفتح أنتم السبب في الانشقاق الوطني وأنتم السبب في تردي الوضع الاقتصادي والاجتماعي وأنتم السبب في كفر المواطن الفلسطيني بقدرة السياسه والسياسيين بإيصاله الى بر الأمان وأنتم وفقط انتم من يقف عثرة امام التحام الجسم الفلسطيني وعودته الى استراتيجية المواجهه مع المحتل.
وحتى لا أعيدكم كثيراً الى الماضي فاتحا بحر الأوجاع المؤلم من استراتيجيات وتكتيكات فاشلة لعموم الحالة الفلسطينية أودّ ان أسلط الضوء على استراتيجيات وتكتيكات الفصيلين المتنفذين في الحالة الفلسطينية، حماس وفتح، في الوضع الراهن خصوصاً وان العديد كتب ونشر بان الفصيلين يفتقدان الى استراتيجية سياسيه ايدلوجية واضحه وهم يتخبطون في بحر السياسة شمالاً وجنوباً دون بوصلة محددة!
بعد الانقلاب العسكري التي قامت به حماس بايعاز وضغط من مجلس الشورى الأعلى لحركة الاخوان المسلمين في العالم، كما أشهرتها الأبحاث بالوثائق وتصريحات بعض شخصيات الحركة وتقاريرهم التي رفعت لمجلس الشورى العالمي أسابيع بعد الانقلاب، بدأت الرحلة الحمساوية الدبلوماسية بالرقص على الحبل التي اوصلتها الان الي حضن الدول- السعوديه، قطر وتركيا- الأكثر تنصيقاً وتعاونناً مع دولة الاحتلال الصهيوني.
هذا الاصطفاف لحماس لم يأتي مفاجئ وهو ليس تكتيك لمواجهة واقع معين كما يصفه بعض الزملاء، بل هو صلب استراتيجية حماس منذ تأسيسها. في برنامجها السياسي الوحيد، ميثاق حماس، الذي لم يعدل ولم يغير حتى الان، تعرف حماس نفسها بأنها حركة اسلاميه عربيه فلسطينية وشعبة من شعب حركة الاخوان المسلمين بالعالم. أولويات التعريف لم يتم اختيارها صدفةً بل هي الهوية الاستراتيجيه للحركة التي تتحكم بكل تكتيكاتها اللحظية. وظهر عمق هذه الاستراتيجية وتأثيرها على الحركة وأداءها السياسي خلال احداث ما يسمى بالربيع العربي واصطفاها الان في خندق الاخوان هو بحد ذاته استراتيجية.
تقرب الحركة من ايران وسوريا وحزب الله في السنوات الماضية كان تكتيكاً مفيدا ماديا وسياسياً وعسكرياً, في فترة زمنية كانت الحركة بحاجة الى هذا السند لتثبيت قدمها في الساحه الفلسطينية وفي الإقليم لتحقق أهداف استراتيجيتها الثانية. الاستراتيجية المركزية الثانيه لحماس ترى ان الحركة هي القائد الوحيد للشعب الفلسطيني. منذ تأسيسها بعد اندلاع الانتفاضة الاولى حاولت حماس تثبيت هذه الاستراتيجيه عبر لعبة القط والفار مع القيادة الموحدة للانتفاضة التي كانت تضم معظم فصائل م ت ف وكررت هذه الخطوة مع الحلف المعارض لاوسلو وفي العقدين الاخيرين حاولت حماس مرتين علو الأقل تأسيس إطار موازي ل م ت ف تحت عبائتها. وهي ما زالت تعمل لتثبيت نفسها بديل عن م ت ف عبر تأسيس اطر نقابية ومهنية واجتماعيا ودبلوماسية موازية لمؤسسات م ت ف في كل أماكن تواجدها. الاستراتيجية الثانية لحماس ترى تأسيس إطار بديل ل م ت ف وان تعذر هذا لأسباب ما فيكون التكتيك لتحقيق هذه الاستراتيجيه بالانخراط في صفوف المنظمة للانقضاض عليها من الداخل. الانقسام وتعزيزه هو تكتيك لتحقيق هذه الاستراتيجيه.
الاستراتيجية المركزية الثالثة لحماس تتمحور حول بنيتها وفهمها الأيدلوجي لنفسها وللصراع الفلسطيني الصهيوني. حماس تعتبر فلسطين ارض وقف إسلامي والصراع الفلسطيني الصهيوني صراع ديني بين المسلمين واليهود. هذه الرؤيا بعيده كل البعد عن البرنامج الوطني الفلسطيني واستراتيجية النظام الوطني الذان يعتبران الصراع مع الاحتلال صراع سياسي بحت. حماس لا تختلف برؤيتها السايكولوجية للمجتمع عن الرؤيا اللاهوتية كلاهم يسعى لبناء كيان ثيوقراطي عموده الفقري الدين والشرائع الدينية. القواسم الايدولوجية المشتركة لحماس والحركات الدينية اليهوديه اكبر بكثير من قواسمها مع الأكثرية الساحقة من الحركات وألاحزاب الوطنية الفلسطينية. حماس قسمت استراتيجيتها الثيوقراطية الى برنامج مرحلي إسلامي
تقيم به امرات اسلاميه في أماكن سلطتها وهي مستعده لللمقايضة مع المحتل لتثبيت هذا التكتيك. وتلويحها بين الحين والآخر بشعار الهدنة طويلة الامد هو تجسيد لهذه الفكرة وهي ترى غزه الان الإمارة الاولى في برنامجها الاسلامي المرحلي لبناء الدولة الاسلامية على ارض الوقف في فلسطين. لتثبيت نفسها بأنها حركة إسلامية „معتدلة“ ضمن استراتيجيتها الثيوقراطية مقبولة عالمياً واسرائيلياً لا تتورع حماس من الدعم المباشر والدعم المبطن لحركات اسلامويه متطرفة في القطاع والسكوت التكتيكي بين الحين والآخر عن أعمال هذه الحركات الارهابية وتوسعها بشرط ان لا تهز كيان وقوة حماس. التكتيك خلف هذه الخطوه يكمن في خلق جسم سياسي راديكالي إسلامي على يمين حماس لتصبح هي في وسط الكيان السياسي الفلسطيني مما يسهل على الطرف الاخر، العربي والصهيوني، المتاجرة بها كبديل عن منظمة التحرير.
حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح لم تعد حركة بالمفهوم السياسي البنيوي بل تحولت الى “ دكاكين“ في “ مركز تجاري اسمه فتح“ يقوده „مدير اعمال“ اسمه محمود عباس مع إدارة مصغرة تسمى مطبخ الرئيس وانا اطلق على هذه التركيبة السياسية التي أصبحت منتشرة في الشرق اسم Shop in Shop . كل صاحب لدكان في هذا المركز يدرك انه غير قادر على التنافس والبقاء ان خرج عن هذه المنظومة. نوع هذه التركيبة الحزبيه يُبْنى على التبعيه الهرمية المطلقة من أسفل الى اعلى ولا حيز في هذه التركيبة للحياة الديمقراطية خصوصاً وان الشأن المالي حكراً على رأس الهرم وهو وحده من يقرر آلية توزيعه ووتيرتها. هذه التبعيه وهذه التركيبة تفقد القاعدة الحزبية اي إمكانية للمشاركة في رسم استراتيجية جامعة للحزب وأداءه السياسي. هذه التركيبة زادت وترسخت بتسلم الرئيس محمود عباس قيادة الحركة بعد وفات المرحوم الرئيس ياسر عرفات، بشكل واضح. الوصول الى مثل هذه التركيبة الحزبيه لكبرى حركات م ت ف كان احدى استراتيجيات اوسلو ومهندسيها ومنهم محمود عباس. توزيع الوظائف والتعيينات بين كوادر فتح من قبل الرئيس ومطبخه هو التكتيك الناجع لتثبيت هذه الاستراتيجيه. مصادر داخليه تشير على ان اكثر من ثلثي كوادر الحركه اصبح موظف باجهزة السلطة ومؤسساتها. في ضَل غياب قوانين عمل وقوانين حماية عصرية للعامل والموظف تحميه من الابتزاز يصبح مصير كل موظف مرتبط برضاء المسؤول. وهنا تَخَلَّق تبعية اقتصاديه قاتلة لا تترك للرأي الحر حيز. السكوت والولاء الكامل والتصارع والتناحر على التقرب من الرئيس ومطبخه هي ميزات هذه التركيبة وتكتيكها الوحيد الذي يضمن لها البقاء ضمن هذه الاستراتيجية. أصوات من داخل الحركة التي تغرد بين الحين والاخر خارج السرب، كما هو حال عضو اللجنة المركزيه للحركة عباس زكي، هي احدى مركبات هذه الاستراتيجية التسلطية التي تختزل اتخاذ القرارات الحزبيه للمعادلة التالية: في حركة فتح هنالك دائماً رأيين، رأي الرئيس ورأي اخر خطأ…
هل هذا كله يعني بان حركة فتح لا تتبنى استراتيجية واضحه للصراع؟ الجواب نعم… الحركة اختزلت عطائها السياسي وتحركها الدبلوماسي على ما يقوم به الرئيس ومطبخه بقرار ذاته بعيداً عن مؤسسات الحركة الضعيفة أصلاً. لكن هذا لا يعني ان الرئيس محمود عباس لا يملك استراتيجية كما يدعي العديد من الزملاء والمحللين. منذ استلامه زمام الأمور بالشأن الفلسطيني والرئيس محمود عباس متمسكاً باستراتيجية واضحة المعالم مبنيه على قناعات لم تتزحزح ولم تتغير في السنوات الماضية؛ استراتيجيته موجهه الى العالم الخارجي من دول غربية وانظمة عربية وايضاً اسرائيل فحواها انني انا الرئيس محمود عباس ضمان لسلامتكم وسلامة مصالحكم بكل جوانبها في فلسطين وانا الصخرة التي تستطيعون بناء شرق اوسط جديد عليها، وغيري هم اما راديكاليون ام عاجزون وان تجاوزتموني فالمصير اما الفوضى العارمة او كيان راديكالي الى جانب اسرائيل!
الرئيس محمود عباس يدعم استراتيجيته هذه بإيمانه العميق بعدم جدوى النضال ضد الاحتلال. الرئيس لا يكتفي فقط بنبذه للكفاح المسلح، الذي اصبح فعلاً فقط طخطخة لفشة الخلق والمنافسة الفصائلية ليس الا.. بل هو ينبذ كل انواع النضال، السلمي والجماهيري والشعبي وحتى الدبلوماسي لهذا تراه يحاول الالتفاف على استراتيجية المقاطعه بتكتيك “ المقاطعة البراغماتية“ ويعرقل ملاحقة رموز الاحتلال في المحاكم الدولية وتضيق الخناق دبلوماسياً عليهم. وتراه كل ما ضاق أفق دولة الاحتلال دبلوماسياً يعرض عليها الشرع مجدداً “ بمفاوضات سلام „. الرئيس محمود عباس لا يأمن بمقولة الراحل جمال عبد الناصر: ما أخذ بالقوه لا يسترجع الا بالقوة! هو يؤمن بان شعب فلسطين ضعيف وعليه القبول بما يعطى له.

Schreib einen Kommentar

Deine E-Mail-Adresse wird nicht veröffentlicht. Erforderliche Felder sind markiert *