زيارة انور عشقي لإسرائيل والمبادرة العربية للسلام

زيارة انور عشقي لإسرائيل والمبادرة العربية للسلام

مقال بصفحة 38
رائف حسين – المانيا

تعددت وتنوعت ردات الفعل الرسمية والشخصية الفلسطينيه والعربيه على زيارة أنور عشقي السعودي لإسرائيل واجراءه مباحثات مع اعضاء كنيست وسياسيين من أطراف مختلفه.
بعيدا عن الانفعال كردة فعل أولى على الزياره وما تلاها من تصريحات لرجل المخابرات السعودي السابق وسجال من أطراف قريبة وبعيدة عن الحدث، يمكن تقسيم ردات الفعل الى ثلاث فئات:
الفئة الاولى هم هؤلاء اللذون انهالوا منذ الدقائق الاولى للإعلان عن الزياره بحملات نقد واستهجان مفهومه. واستطردوا هؤلاء بنقدهم وتحليلهم للزياره والنتائج المتوخاة عليها واعتبر هؤلاء ان زيارة الجنرال السعودي المتقاعد سوف تفتح باب التطبيع مع اسرائيل على مصراعيه وان هذه الزياره „خيانة لشعب فلسطين وقضيته“. في عنفوان التسارع بالرد والتعليق على الحدث والتسابق بتصعيد حملة الاستهجان للزيارة بين أفراد هذه الفئة، خصوصا على مواقع التواصل الاجتماعي، فات هؤلاء بعض الحقائق التي كان بالإمكان التحقق منها قبل الاندفاع الغريزي بالنقد العشوائي المشحون بدافع “ فش الخلق“ بعيدا في اغلب الأحيان عن النقد البناء الموجع للجهة الصحيحه وبعيداً عن التمحيص الجاد في خلفية الزيارة ومأربها الحقيقية.
الحقائق التي لم يتم التدقيق الكافي لها من قبل هؤلاء الزملاء هي:
1. هذه ليست الزيارة الاولى التي يقوم بها أنور عشقي لإسرائيل. المعلومات تبين انها على الأقل الزيارة الرسمية الثانيه، كان بينها زيارة او زيارتين بالسر وبعيداً عن اضواء الاعلام.
2. هذه ليست الزيارة الاولى التي يقوم بها رجل سعودي مهم لإسرائيل. سبقه أمراء من العائلة الحاكمة ورجال اعمال ووفود شبابيه وخبراء عسكريون قاموا في السنوات الماضيه بزيارة اسرائيل ورد الاسرائليون عليها بزيارات عديدة ومتنوعة للسعوديه.
3. هذه الزيارة لم تأتي من خلف ظهر السلطة الفلسطينيه في رام الله بل على العكس تماماً سلطة رام الله كانت على علم مسبق بالزيارة وشاركت بالتخطيط لها وكانت على ادق معرفه بالبروتوكول الرسمي للزيارة. مشاركة الرجوب بالزيارة والمحادثات لم تأتي من محض الصدفه او تداعياً لانزلاق اكبر كما ادعى بعض رجال السلطة في رام الله!
4. هذه الزيارة لن تفتح باب التطبيع مع اسرائيل. فتح باب التطبيع يعني مجازاً ان هذا الباب ما زال حتى لحظة الزيارة مقفل وهذا بحد ذاته خطأ تمحيصي فادح للواقع السياسي في الإقليم. التطبيع مع اسرائيل بدأ منذ حوالي أربعين عام على الأقل ولم ينقطع بتاتا واليوم نجد ان اكثر من ثمانية دول عربيه تربطها علاقات دبلوماسيه او اقتصاديه او مخابراتية عسكرية او سياحية مع اسرائيل. وبعض دول مجلس التعاون الخليجي وعلى رأسها السعودية تتصدر قائمة الدول ألعربيه التي تعمل منذ سنوات وبعدة مجالات علاقات تطبيعية مع اسرائيل.
5. تربط السعودية علاقات وثيقة بإسرائيل وخصوصأ في المجال العسكري والعلمي. اسرائيل حليفاً وٓفِيْ للعائلة المتسلطة في السعودية في حربها على اليمن وحربها في سوريا وحربها ضد المقاومة ونزاعها مع ايران. ولم يعد سرأً على احد ان اسرائيل تشارك القوات السعودية في حربها الجوية على اليمن. ولم يعد ايضاً سراً التعاون العلمي الاسرائيلي الخليجي في مجال الزراعة والبنية التحتية وتحلية المياه وتبادل الوفود الشبابية.
6. والحقيقة الاخيرة والاهم ان شعوب هذه الدول التي تطبع منذ سنوات مع اسرائيل لم تمشي كالقطيع خلف قياداتها السياسية وتستسلم للامر الواقع، لا بل العكس هو الصحيح؛ الشعوب في هذه الدول ما زالت صِمَام الأمان الذي يردع فتح ابواب التطبيع على مصراعيها. هذه الشعوب ورغم كل التنكيل بها ما زالت تؤمن بقداسة القضية الفلسطينيه وما زالت ترى في الكيان الصهيوني العدو الاول في المنطقه. الانتقادات لزيارة العشقي رغم تأييدي المبدأي لها، كانت بأغلبها فشة خلق بعيدة عن الاستراتيجيه البناءة لتقوية الشعوب أفراداً ومؤسسات ضد المؤسسة الحاكمة في دولهم . هذه الطبقة الحاكمة التي وضعت منذ سنوات بيضاتها في العش الصهيوني. ولهذا أتت معظم الانتقادات وللاسف شمولية ودون تفرقة بين الشعب والدكتاتورية الحاكمة.

الفئة الثانية هم هؤلاء اللذون ارتاحوا للزيارة وهم ينقسمون الى قسمين:
القسم الاول من فئة المؤيدون هم الذون دعموها علانية وأيّدوها وخططوا للزيارة مع الاسرائليين مثل السلطة الفلسطينية في رام الله. والقسم الثاني هم من بعض الدول العربية المجاورة التي انتظرت مثل هذه الزيارة لتخطوا خطوات جديدة في التطبيع مع اسرائيل. وهذه الدول تعي تماماً ان التطبيع العلني السعودي مع اسرائيل بمثابة صك غفران لها ولخطواتها القادمة في الاصطفافات القادمة في الإقليم منطلقة من ان السعودية ومركزها بالعالم العربي والعالم الاسلامي له ثقله ووزنه واعتباره المميز. هذه الفئة تدرك تماماً اننا في الإقليم أصبحنا في واقع اخر بعد ان فشل مشروع تقسيم سوريا وبناء الشرق الأوسط حسب الخارطة النيوليبرالية الامريكية وأننا أصبحنا الان امام شرق اوسط جديد له استحقاقات جديدة سأتطرق اليها لاحقاً.
الفئة الثالثة هم اصحاب سياسة النعامة التي تدفن رأسها في الرمال… „لا شوف ولا سمع“
وهؤلا ينقسمون ايضاً الى قسمين؛ الاول هؤلاء اللذون يروقون للزيارة ولفتح باب الدبلوماسية الهادئة مع اسرائيل للحصول على مكاسب في بنية الشرق الأوسط الجديد وعلى رأس هذا القسم حركة حماس التي لم تعبر عن رأييها بالزيارة لان جمهورها بأكثريته ما زال “ غير حاضر“ لتقبل الواقع الشرق أوسطي الجديد وما يعني هذا كله للقضية الفلسطينية. والقسم الثاني الذي يجمع بعض عناصر اليسار الفلسطيني وبعض الدول العربية. هؤلاء لزموا السكوت على الزيارة كونهم لم يتخذوا بعد موقفا واضحاً من الصراع الإقليمي في الشرق الأوسط والاصطفافات الجديدة التي أصبحت واقع يلقي بظله على السياسة الشرق اوسطية باكملها. هؤلاء فضلوا الانتظار من باب الحيرة الاستراتيجية او من باب الانتهازية السياسية.

تقع أهمية زيارة العشقي لإسرائيل ليس في التطبيع او عدمه، فهذا اصبح وللاسف واقع وأصبح استراتيجية معلنه لبعض الحكام العرب ولو بتفاوت وتسارع مختلفين، أهمية الزيارة كانت في خفايا الأمور التي ابت الزيارة للوصول لها. الزيارة كانت بالون استخباري لردة الفعل الرسمية والجماهيرية قبل البدىء بخطوة غاية الأهمية في الإقليم.
انور عشقي لم يقم بالزيارة دون موافقة ومباركة العائلة الحاكمة في السعودية ولم تأت هذه الزيارة دون اطلاع “ الحلفاء“ عليها من قبل. توقيت الزيارة والحملة الإعلامية التي رافقتها كانت مدروسة ومعدة تماماً ولم تكن وليدة الصدفة. تصريحات العشقي عن هدف الزيارة وبرنامجها اثبت ضعفه الدبلوماسي البدائي، مما أحرج الأصدقاء وآثار حفيظتهم.
هدف الزيارة الأساسي كان فحص ردات الفعل على الجهود لاحياء المبادرة العربية التي قدمتها السعودية في مؤتمر القمة في بيروت عام ٢٠٠٢ وإمكانية البدىء بخطوات عملية لتحقيقها بعد فشل المبادرة الفرنسية التي كانت بمثابة غلاف رقيق شفاف للمبادرة العربية. ردات الفعل هذه التي بدأت قبل اشهر وبالتحديد بعد التوقيع على الملف النووي الإيراني وتقدم الجيش العربي السوري مع المقاومة في سحق الارهاب المتاسلم عل الاراضي السورية والعراقية وبداية وضع اللمسات الجديدة للشرق اوسط جديد تكون به ايران اللاعب الإقليمي الأساسي الى جانب حلف المقاومة. ا
اسرائيل والسعودية وحلفاءهم بالمنطقة وفي الغرب قلقون جداً من افشال مشروعهم بالشرق الأوسط وقلقون ايضاً من تعاظم الدور الإيراني المدعوم من حلف المقاومة بالشرق.
اسرائيل والسعودية وحلفاءهم خسروا معركة تركيع إيران بالملف النووي وخسروا معركة الإطاحة بسوريا المقاومة وخسروا من الحد من دور حزب الله في الإقليم ويقفون الان امام كارثة دبلوماسية وعسكرية في اليمن وما بقي بيدهم الى من الحد من هذا الدور لحلف المقاومة على المستوى الشعبي. هم أصبحوا خلافاً للفئة الثالثة يدركون تماماً اننا أصبحنا امام شرق اوسط جديد به محوريين أساسيين: محور المقاومة بقيادة ايران ومحور الرجعية بقيادة السعودية وإسرائيل. خسر المحور الأخير عموداً فقريا من أعمدته وهي تركيا الاردوغانية ومشروعها العثماني بعد الانقلاب وخروج تركيا من الحلبة لسنوات لتستطيع تضميد جروحها الداخلية وتداعي الفشل الكامل للطموحات الجنونية لاردغان. هذه الخسارة المفاجئة للعمود الثالث في محور الرجعية والاستبداد بالشرق هو الذي عجل الاشهار بالمبادرة العربية والعمل على إقناع اسرائيل بالقبول الرسمي لها. واتت زيارة العشقي لتفحص ردات الفعل الجماهيرية على هذه الخطوة ومدى تقبلها شعبياً.
بعد الخسارة الدبلوماسية والعسكرية امام محور المقاومة لم يعد بحوزة محور الرجعية والاستبداد الا سحب الورقة السياسية الأهم تأثيراً في الأمة العربية والامة الاسلامية والأكثر جذباً للجماهير العربية والإسلامية من محور المقاومة، وهي الورقة الفلسطينية.
ما ترسم له السعودية وحلفاءها الان هو الحد من المد الساحق لمحور المقاومة عبر إنهاء الصراع الاسرائيلي الفلسطيني وإيجاد حل بموافقة الطرفين لكي لا يبقى للمقاومة في لبنان ذريعة في حمل السلاح ولا يبقى لإيران وسوريا رفع راية تحرير القدس بعد ان ألقت بها معظم العواصم العربية واستسلمت لواقع الاحتلال الصهيوني لفلسطين.
البرنامج المعد لهذا السيناريو يتضمن موافقة مبدأية ورسمية من اسرائيل على المبادرة العربية والبدء في خطوات رمزية لتحقيقها مع ضمانة السعودية مباركة السلطة في رام الله لها وتضمن قطر وتركيا من جهتهم مباركة حماس لهذه الخطوة. الخطوة ترى إقامة دولة فلسطينية مبدأياً على الاراضي المحتلة عام ٦٧ تبدأ بدولة كاملة السيادة في غزة وحكم ذاتي “ واسع في مناطق أ بالضفة بالتوازي يتم تعيين ثلاث لجان من خبراء ومستشارين دوليين للبحث في حل للامور المتبقية: لجنة لموضوع اللاجئين ولجنة ثانية لموضوع الحدود والمصادر الطبيعية وثالثة لموضوع القدس. ولا يتم وضع سقف زمني لعمل هذه اللجان لكي تضمن موافقة اسرائيل على هذه الخطوة علماً انه بعد الافلاس المالي والدبلوماسي لكل من سلطة رام الله وسلطة غزة اصبح أمرهما وقرارهما ليس بيدهم بل بيد من يصرف المال عليهم ومن يدعم وجودهم السياسي حاميهم من الانهيار. على مبدأ “ من يأكل من خبز السلطان يضرب بسيفه“ .
والحل الذي تسربت بعض معالمه بمراكز الدراسات في الغرب وأمريكا يرى ضم اسرائيل لمناطق المستوطنات الكثيفة خصوصأ في منطقة القدس ونابلس مع تعويض السلطة الفلسطينية عن هذه الاراضي بمناطق بالنقب متاخمة لقطاع غزه وتوسيع نفوذ مدينة القدس ليصل الى اريحا ليتسنى لاحقاً إعطاء السلطة الفلسطينية عاصمة رمزية بهذه المنطقة الذي يطلق عليها “ القدس“.
في ملف الاجئين يرى المشروع إقامة صندوق دولي بمبلغ ٢٠. – ٣٠ مليار دولار لتعويض اللاجئين مع قبول اسرائيل بعودة عدد رمزي من لاجئي لبنان للأراضي المحتلة عام ٤٨ واقناع مصر بإعارة السلطة الفلسطينية أراضي بسيناء تساوي مساحتها مساحة القطاع بمدخل على البحر والسياحة لتقام هناك ثلاث الى اربع مدن فلسطينية تستوعب حوالي مليون لاجيء ممن يريدون العودة وتعويضهم “ السخي“ سيتيح لهم بناء اقتصاد خدماتي في سيناء وتواصل جغرافي مفتوح مع بقية القطاع وما يتم تسليمه للسلطة من أراضي النقب. هذا كله سوف يتم بالتوازي مع فتح ممر أمن بين مناطق أ بالضفه وغزة وبناء ميناء في غزة وإعادة إعمار المطار مما يتيح للفلسطينيين الشعور بالسيادة وفرج اقتصادي ملحوظ!
هذا الحل بإخراج سعودي ومباركة فتحاوية وحمساوية ورعاية أمريكية وأوروبية هو ما تبقى لمحور الرجعية والاستبداد لحفاظ ماء وجههم بعد الانتكاسات المتلاحقة في الإقليم وسنرى بوادر هذا الحل في الأشهر القريبة بعد الحسم النهائي في سوريا وبداية سحق ميليشيات الارهاب هناك. والتوافق الامريكي الروسي حول الشرق الأوسط الجديد بالتسليم بالدور الروسي الإيراني هناك هو بداية الشروع بهذا الملف. وروسيا لن تتحفظ على مثل هذا الحل بعد الموافقة الفلسطينية عليه وكيف بها ان تكون „كاثولكياً اكثر من البابا؟“

السياسة فن الممكن! – بين الاستراتيجية والتكتيك

مقال بصفحة 37
رائف حسين – المانيا

المراقب للحالة الفلسطينيه لا يسعه الا ان يهز رأسه متحيرا مستغربا مما تقوم به القيادات الفلسطينيه بأطيافها المختلفة. فهي بعيدة كل البعد من ان تتماشى وتتناغم مع دقات قلب الشارع الفلسطيني ولا تعمل، ولو جزء مما بوسعها، للتجاوب مع طموحاته وحاجاته الحياتية والوطنية. القيادة الفلسطينية في وادِ والشعب الفلسطيني في وادِ اخر..
الحالة الرسمية الفلسطينية موجودة منذ سنوات في غرفة الإنعاش تصارع الموت رغم ان مقومات الحياة انعدمت منذ زمن طويل. لكن بما ان الموت والحياة في الحالة الفلسطينية لم يعد، وذلك منذ أمد طويل، شأن فلسطيني بحت، بل اصبح امر تتحكم بها قوى اخرى خارجية بعيدة وقريبة. هذه القوى هي التي تنظم حركة ومنظومة حياة قيادة الشعب الفلسطيني الذي كبل باتفاقات هزيلة وتمويل مشروط وأصبح رهينة لمقايضات إقليميه وملعب لمغامري السياسة وهواتها.
وبدل ان يصل الساده في القيادة الفلسطينية الى الاستخلاص الأقرب والأسهل للخروج من هذه الدوامة بالعوده الى حضن الشعب وحمايته، تراهم يتراكضون وبتسارع مذهل ليلقوا بأنفسهم باحضان اسيادهم ومموليهم.
أحداً لا يستطيع ان يقرأ ما يجول في خاطرهم، لكننا على يقين بأنهم لا يملكون استراتيجية تحرك وطنيه ولا تكتيك مواجهه لحظية. هم أصبحوا يُحّٓرَكُوا عن بعد كالروبوت. خطواتهم، تصريحاتهم وسياسة اللاسياسة المتبعه عندهم كلها خناجر في الجسم الوطني الفلسطيني. وهي، استراتيجيتهم الغير وطنيه، السبب الاول لما آلت اليه الحالة الفلسطينية. نعم انتم اخوتي في قيادة حماس وفتح أنتم السبب في الانشقاق الوطني وأنتم السبب في تردي الوضع الاقتصادي والاجتماعي وأنتم السبب في كفر المواطن الفلسطيني بقدرة السياسه والسياسيين بإيصاله الى بر الأمان وأنتم وفقط انتم من يقف عثرة امام التحام الجسم الفلسطيني وعودته الى استراتيجية المواجهه مع المحتل.
وحتى لا أعيدكم كثيراً الى الماضي فاتحا بحر الأوجاع المؤلم من استراتيجيات وتكتيكات فاشلة لعموم الحالة الفلسطينية أودّ ان أسلط الضوء على استراتيجيات وتكتيكات الفصيلين المتنفذين في الحالة الفلسطينية، حماس وفتح، في الوضع الراهن خصوصاً وان العديد كتب ونشر بان الفصيلين يفتقدان الى استراتيجية سياسيه ايدلوجية واضحه وهم يتخبطون في بحر السياسة شمالاً وجنوباً دون بوصلة محددة!
بعد الانقلاب العسكري التي قامت به حماس بايعاز وضغط من مجلس الشورى الأعلى لحركة الاخوان المسلمين في العالم، كما أشهرتها الأبحاث بالوثائق وتصريحات بعض شخصيات الحركة وتقاريرهم التي رفعت لمجلس الشورى العالمي أسابيع بعد الانقلاب، بدأت الرحلة الحمساوية الدبلوماسية بالرقص على الحبل التي اوصلتها الان الي حضن الدول- السعوديه، قطر وتركيا- الأكثر تنصيقاً وتعاونناً مع دولة الاحتلال الصهيوني.
هذا الاصطفاف لحماس لم يأتي مفاجئ وهو ليس تكتيك لمواجهة واقع معين كما يصفه بعض الزملاء، بل هو صلب استراتيجية حماس منذ تأسيسها. في برنامجها السياسي الوحيد، ميثاق حماس، الذي لم يعدل ولم يغير حتى الان، تعرف حماس نفسها بأنها حركة اسلاميه عربيه فلسطينية وشعبة من شعب حركة الاخوان المسلمين بالعالم. أولويات التعريف لم يتم اختيارها صدفةً بل هي الهوية الاستراتيجيه للحركة التي تتحكم بكل تكتيكاتها اللحظية. وظهر عمق هذه الاستراتيجية وتأثيرها على الحركة وأداءها السياسي خلال احداث ما يسمى بالربيع العربي واصطفاها الان في خندق الاخوان هو بحد ذاته استراتيجية.
تقرب الحركة من ايران وسوريا وحزب الله في السنوات الماضية كان تكتيكاً مفيدا ماديا وسياسياً وعسكرياً, في فترة زمنية كانت الحركة بحاجة الى هذا السند لتثبيت قدمها في الساحه الفلسطينية وفي الإقليم لتحقق أهداف استراتيجيتها الثانية. الاستراتيجية المركزية الثانيه لحماس ترى ان الحركة هي القائد الوحيد للشعب الفلسطيني. منذ تأسيسها بعد اندلاع الانتفاضة الاولى حاولت حماس تثبيت هذه الاستراتيجيه عبر لعبة القط والفار مع القيادة الموحدة للانتفاضة التي كانت تضم معظم فصائل م ت ف وكررت هذه الخطوة مع الحلف المعارض لاوسلو وفي العقدين الاخيرين حاولت حماس مرتين علو الأقل تأسيس إطار موازي ل م ت ف تحت عبائتها. وهي ما زالت تعمل لتثبيت نفسها بديل عن م ت ف عبر تأسيس اطر نقابية ومهنية واجتماعيا ودبلوماسية موازية لمؤسسات م ت ف في كل أماكن تواجدها. الاستراتيجية الثانية لحماس ترى تأسيس إطار بديل ل م ت ف وان تعذر هذا لأسباب ما فيكون التكتيك لتحقيق هذه الاستراتيجيه بالانخراط في صفوف المنظمة للانقضاض عليها من الداخل. الانقسام وتعزيزه هو تكتيك لتحقيق هذه الاستراتيجيه.
الاستراتيجية المركزية الثالثة لحماس تتمحور حول بنيتها وفهمها الأيدلوجي لنفسها وللصراع الفلسطيني الصهيوني. حماس تعتبر فلسطين ارض وقف إسلامي والصراع الفلسطيني الصهيوني صراع ديني بين المسلمين واليهود. هذه الرؤيا بعيده كل البعد عن البرنامج الوطني الفلسطيني واستراتيجية النظام الوطني الذان يعتبران الصراع مع الاحتلال صراع سياسي بحت. حماس لا تختلف برؤيتها السايكولوجية للمجتمع عن الرؤيا اللاهوتية كلاهم يسعى لبناء كيان ثيوقراطي عموده الفقري الدين والشرائع الدينية. القواسم الايدولوجية المشتركة لحماس والحركات الدينية اليهوديه اكبر بكثير من قواسمها مع الأكثرية الساحقة من الحركات وألاحزاب الوطنية الفلسطينية. حماس قسمت استراتيجيتها الثيوقراطية الى برنامج مرحلي إسلامي
تقيم به امرات اسلاميه في أماكن سلطتها وهي مستعده لللمقايضة مع المحتل لتثبيت هذا التكتيك. وتلويحها بين الحين والآخر بشعار الهدنة طويلة الامد هو تجسيد لهذه الفكرة وهي ترى غزه الان الإمارة الاولى في برنامجها الاسلامي المرحلي لبناء الدولة الاسلامية على ارض الوقف في فلسطين. لتثبيت نفسها بأنها حركة إسلامية „معتدلة“ ضمن استراتيجيتها الثيوقراطية مقبولة عالمياً واسرائيلياً لا تتورع حماس من الدعم المباشر والدعم المبطن لحركات اسلامويه متطرفة في القطاع والسكوت التكتيكي بين الحين والآخر عن أعمال هذه الحركات الارهابية وتوسعها بشرط ان لا تهز كيان وقوة حماس. التكتيك خلف هذه الخطوه يكمن في خلق جسم سياسي راديكالي إسلامي على يمين حماس لتصبح هي في وسط الكيان السياسي الفلسطيني مما يسهل على الطرف الاخر، العربي والصهيوني، المتاجرة بها كبديل عن منظمة التحرير.
حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح لم تعد حركة بالمفهوم السياسي البنيوي بل تحولت الى “ دكاكين“ في “ مركز تجاري اسمه فتح“ يقوده „مدير اعمال“ اسمه محمود عباس مع إدارة مصغرة تسمى مطبخ الرئيس وانا اطلق على هذه التركيبة السياسية التي أصبحت منتشرة في الشرق اسم Shop in Shop . كل صاحب لدكان في هذا المركز يدرك انه غير قادر على التنافس والبقاء ان خرج عن هذه المنظومة. نوع هذه التركيبة الحزبيه يُبْنى على التبعيه الهرمية المطلقة من أسفل الى اعلى ولا حيز في هذه التركيبة للحياة الديمقراطية خصوصاً وان الشأن المالي حكراً على رأس الهرم وهو وحده من يقرر آلية توزيعه ووتيرتها. هذه التبعيه وهذه التركيبة تفقد القاعدة الحزبية اي إمكانية للمشاركة في رسم استراتيجية جامعة للحزب وأداءه السياسي. هذه التركيبة زادت وترسخت بتسلم الرئيس محمود عباس قيادة الحركة بعد وفات المرحوم الرئيس ياسر عرفات، بشكل واضح. الوصول الى مثل هذه التركيبة الحزبيه لكبرى حركات م ت ف كان احدى استراتيجيات اوسلو ومهندسيها ومنهم محمود عباس. توزيع الوظائف والتعيينات بين كوادر فتح من قبل الرئيس ومطبخه هو التكتيك الناجع لتثبيت هذه الاستراتيجيه. مصادر داخليه تشير على ان اكثر من ثلثي كوادر الحركه اصبح موظف باجهزة السلطة ومؤسساتها. في ضَل غياب قوانين عمل وقوانين حماية عصرية للعامل والموظف تحميه من الابتزاز يصبح مصير كل موظف مرتبط برضاء المسؤول. وهنا تَخَلَّق تبعية اقتصاديه قاتلة لا تترك للرأي الحر حيز. السكوت والولاء الكامل والتصارع والتناحر على التقرب من الرئيس ومطبخه هي ميزات هذه التركيبة وتكتيكها الوحيد الذي يضمن لها البقاء ضمن هذه الاستراتيجية. أصوات من داخل الحركة التي تغرد بين الحين والاخر خارج السرب، كما هو حال عضو اللجنة المركزيه للحركة عباس زكي، هي احدى مركبات هذه الاستراتيجية التسلطية التي تختزل اتخاذ القرارات الحزبيه للمعادلة التالية: في حركة فتح هنالك دائماً رأيين، رأي الرئيس ورأي اخر خطأ…
هل هذا كله يعني بان حركة فتح لا تتبنى استراتيجية واضحه للصراع؟ الجواب نعم… الحركة اختزلت عطائها السياسي وتحركها الدبلوماسي على ما يقوم به الرئيس ومطبخه بقرار ذاته بعيداً عن مؤسسات الحركة الضعيفة أصلاً. لكن هذا لا يعني ان الرئيس محمود عباس لا يملك استراتيجية كما يدعي العديد من الزملاء والمحللين. منذ استلامه زمام الأمور بالشأن الفلسطيني والرئيس محمود عباس متمسكاً باستراتيجية واضحة المعالم مبنيه على قناعات لم تتزحزح ولم تتغير في السنوات الماضية؛ استراتيجيته موجهه الى العالم الخارجي من دول غربية وانظمة عربية وايضاً اسرائيل فحواها انني انا الرئيس محمود عباس ضمان لسلامتكم وسلامة مصالحكم بكل جوانبها في فلسطين وانا الصخرة التي تستطيعون بناء شرق اوسط جديد عليها، وغيري هم اما راديكاليون ام عاجزون وان تجاوزتموني فالمصير اما الفوضى العارمة او كيان راديكالي الى جانب اسرائيل!
الرئيس محمود عباس يدعم استراتيجيته هذه بإيمانه العميق بعدم جدوى النضال ضد الاحتلال. الرئيس لا يكتفي فقط بنبذه للكفاح المسلح، الذي اصبح فعلاً فقط طخطخة لفشة الخلق والمنافسة الفصائلية ليس الا.. بل هو ينبذ كل انواع النضال، السلمي والجماهيري والشعبي وحتى الدبلوماسي لهذا تراه يحاول الالتفاف على استراتيجية المقاطعه بتكتيك “ المقاطعة البراغماتية“ ويعرقل ملاحقة رموز الاحتلال في المحاكم الدولية وتضيق الخناق دبلوماسياً عليهم. وتراه كل ما ضاق أفق دولة الاحتلال دبلوماسياً يعرض عليها الشرع مجدداً “ بمفاوضات سلام „. الرئيس محمود عباس لا يأمن بمقولة الراحل جمال عبد الناصر: ما أخذ بالقوه لا يسترجع الا بالقوة! هو يؤمن بان شعب فلسطين ضعيف وعليه القبول بما يعطى له.