جريمة تشارلي إيبدو وأزمة المسلمين

جريمة تشارلي إيبدو وأزمة المسلمين

مقال بصفحة 22
رائف حسين – ألمانيا

الصورة التي رآها مئات الملايين والتي تُظهر رئيس الوزراء ومجرم الحرب نتنياهو في مظاهرة التضامن مع فرنسا ضد الإرهاب تثير حقاً الاشمئزاز. رئيس حكومةٍ ترعى إرهاب الدولة المنظم ضد شعب أعزل على مدار عشرات السنين وتدعم علناً مجموعات إرهابية في بلدها من أمثال „تاغ محير“ وغيرها يمشي فى الصف الأول دون حياء وخجل. ونداؤه الوقح ليهود فرنسا بالهجرة  الى إسرائيل يُظهر للعالم جلياً من هو المستفيد الحقيقي من الإرهاب المتأسلم!
نعم أنا أتفهم إمتعاض الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني والأمة العربية اللذين إستنكروا هذه المسرحية وهذا الدجل وعبّروا عن غضبهم على صفحات التواصل الإجتماعي المختلفة.  في نفس الوقت حزنت جداً من تعليقات العديد حول مشاركة الرئيس محمود عباس في المظاهرة ضد الإرهاب. أتفهّم إستياء البعض من أن الرئيس محمود عباس مشى تقريباً جنبا الى جنب مع راعي الإرهاب الصهيوني في المسيرة المذكورة وأتفهم الحزن الذي عمّ أبناء شعبي الفلسطيني أثناء مراقبتهم لهذا المشهد الكئيب،  لكني لا أتفهم ولا أقبل كلام هؤلاء اللذون شجبوا المشاركة الفلسطينية في مسيرة التضامن مع فرنسا وشعبها ضد الإرهاب، وانهالوا على الوفد الفلسطيني بالمسبات والشتم! ولا أقبل خلط الحابل بالنابل في مثل هذه اللحظات التي تتطلب مواقف مبدئية وليس لعباً بالتكتيك والرقص على الأحبال والدغدغة الرخيصة لمشاعر البشر.
مواقف الرئيس عباس من الاحتلال والتنسيق الأمني  والمستوطنات والمفاوضات وكل ما يتعلق بها لا تسمح لعاقل إلا إدانتها.  وسياسته الفلسطينية الداخلية بالتعامل مع مؤسسات الشعب وعدم زيارته لغزة بعد العدوان الصهيوني، وسياسته الاجتماعية والاقتصادية كلها سياسات خاطئة وفاشلة حقا، لكن هذا كله لا يُشرعن إدانته وشتمه لموقفه الصحيح والجريء ضد الإرهاب المتأسلم ودعمه لحكومة وقفت الى جانبه في المحافل الأوروبية والعالمية.
نعم أنا مدرك  تماماً أن فرنسا الدولة الاستعمارية في الماضي هي التي زرعت بذور الإنشقاق والفتنة في العالم العربي وهي الدولة التي أخطأت في سياستها بدعمها للمجموعات التكفيريه الإسلامية منذ ثمانينات القرن الماضي في الشرق الأوسط للمحافظة على مصالحها الجيوسياسية والاقتصادية، ولكني في نفس الوقت مراقب لموقف فرنسا المتطور بإستمرار في دعم مطالب الشعب الفلسطيني بالحرية والاستقلال. فرنسا ورغم الضغط الأمريكي والصهيوني عليها أبت إلا أن تصوت قبل أسابيع الى جانب الطلب الفلسطيني في مجلس الأمن.
طبعا ممكن أن نرى في مشاركة الرئيس عباس والوفود العربية الأخرى في مظاهرة باريس نوعاً من التملق خاصة وأننا ندرك والعالم كله يعي أن معظم هذه الدول الغربية وحلفاؤهم في المنطقة هم من موّل ودعم ودرّب وسوّق للمجموعات الإرهابية المتأسلمة التي تمردت الآن على سيدها وخالقها الغربي وأصبحت تشكل خطراً مباشراً عليه وفي عقر داره. لكننا أيضاً ممكن أن نرى في مشاركة الرئيس عباس موقفاً مبدئياً ضد الإرهاب بأنواعه وأشكاله المختلفة ورسالة واضحة للعالم بأننا نحن الفلسطينيون خاصة والأمة العربية عامة نُصلى منذ عشرات السنين بنار الإرهاب وأننا نقف دائماً وأبداً ضد الإرهاب، بغض النظر أي إرهاب ومن هو الإرهابي ومن هي الضحية.
الشماتة بالضحية والضحك بالقلب والفرحة الداخلية التي عبّر عنها البعض على صفحات التواصل الاجتماعي لأن الإرهاب أصاب دولة غربية وقتل رعاياها تثير حقاً الإشمئزاز. في هذه اللحظات وهذه المواقف أتذكر إبن فلسطين البار المرحوم إدوارد سعيد الذي قال، علينا أن نتفوق على عدونا ونغلبه بالأخلاق. المشاركة الفلسطينيه يجب النظر اليها، ورغم الجرح المفتوح، من هذه الزاوية ليس إلا.
رسالتنا الفلسطينية والعربية للعالم أجمع يجب أن تكون واضحه وساطعة أننا نحن كنا وما زلنا ضحية الإرهاب الذي موّلته ودعمته بعض الدول الغربية وخدّامها في المنطقة ومن أراد تصويب خطّه وموقفه من الإرهاب المتأسلم وإرهاب الدول كما هو الحال مع إرهاب الدولة الصهيونية، فهو سيجد بنا الآن وفي المستقبل حليفاً داعماً وسنقف قيادة وشعباً إلى جنبه في خندق التصدي للإرهاب.
دين الرسول الأعظم دين سماحة ومحبة ومن دنس صورة الرسول ورسالته هم هؤلاء الإرهابيون اللذين يتقمّطون عباءة الإسلام، وعلى المسلمين في كل بقاع الأرض تطهير دينهم ورسالتهم من هؤلاء المجرمين. لا يكفي أن نبكي ونشمت ونشير بإصبع الإتهام لمن دعم هؤلاء المجرمين ليدنّسوا الرسالة والتراث. آن الأوان أن نصحو من السبات العميق الذي نعيش به منذ القرن الثاني للهجرة وننتفض على حاضرنا الذي قدم للإرهابيين أرضاً خصبة يزرعون بها بذور الحقد والكراهية. من يفتح الباب على مصراعيه لدعاة الفتنة والشعوذة عبر مئات القنوات الفضائية وآلاف صفحات الإنترنت لا يحق له أن يستغرب إن إنقض الإرهاب المتأسلم عليه وعلى أبنائه. هؤلاء الشياطين بعباءة الشيوخ هم من حضّر الأرض الخصبة للإرهاب وهم من يمده بالوقود الروحي يوماً بعد يوم. إن أردنا حقاً أن نُنهي الباطل ونُحق الحق علينا أن نبدأ بأنفسنا وأن نضع حداً لمن يُنعتوا بالشيوخ، علينا أن نقف سداً منيعاً أمام تجار الفقه الإسلامي الذي أكل الدهر عليه وشرب. علينا أن نفتح الباب على مصراعيه للمتنورين وللمفكرين الإسلاميين الحقيقيين من أمثال محمد شحرور وغيره. وعلينا أن نتذكر قول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: „حين سكت أهل الحق عن الباطل، توهم أهل الباطل أنهم على حق“.

المصالحة الحمسفتحاوية

المصالحة الحمسفتحاوية

مقال بصفحه 21

 رائف حسين

هل طلبت قيادات حركة فتح وحماس من الشعب الفلسطيني السماح على ما ارتكبته بحقه خلال سبع سنوات ؟؟!!

بعد سبع سنوات ونيف من الانقسام الفلسطيني بين حركتي حماس وفتح والتي أددت إلى اﻷقتتال الداخلي بين ميلشيا الطرفين ذهب  أثنائها “ الف وأربعمائة وواحد وثلاثون ضحية “ (١٤٣١ ) من أبناء شعبنا الفلسطيني بالأضافة للحرب الكلامية التي كانت تستخدم  وما زالت في الخطابات التي حملت في طياتها كراهية وتخوين وبعد كل هذا اﻷذى الجسيم بجميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الذي اتى به هذا الانقسام لشعبنا الفلسطيني وقضيته العادلة أتفق طرفي الصراع  وذلك بعد سنوات من المفاوضات والمناورات والجاهات على عقد قران سموه تلفيقا “ حكومة وحدة وطنية “ ·

بعد توقيع الاتفاق وتعيين الحكومة الجديدة في منتصف السنة الماضية  انقشع الضباب وسرعان ما تبين أن حبال الثقة بين الطرفين هلامية ومعدومة. نسمع ونراقب بين الحين والآخر كيف يتراشق الطرفان الاتهامات وخرق الاتفاقات ، مما يعمق الهاوية ويزيد الشرخ في الشارع الفلسطيني ويزداد هذا الشرخ عمقا بتحليلات سطحية لبعض „خبراء السياسة“ من الطرفيين ،رغم تسارع الناطقون باسم الحركتين بتفادي تأزم الوضع اكثر وتهدئة الخواطر وترى الطرفين فتح وحماس، فجأة يتغنوا بالمصالحة وكيل المديح على مهندسيها.  ورغم محاولاتهم اخفاء الحقيقة وراء المحاكات الكلامية الا ان الشعب الفلسطيني بأجمعه يدرك تماماً ان كلا الطرفين يكن للآخر حقدا وينصب له في كل زاوية كمين.  ويرى الشعب الدجل والتملق في عيون الطرفيين اللتان أصبحتا ميزتهم الوحيدة.

ما سمي تمويها مصالحة وطنية لم يكن سوى محاصصة بين حماس وفتح. ونتائج ولادة هذه المحاصصة المعاقة على شعبنا وقضيته الوطنية تتجلى للداني والقاصي يوم بعد يوم.  نعم ، أن حركتي فتح وحماس تعملان كل ما وسعهما  للمحافظة على اكبر كمية من الامتيازات لأتباعهم  ضاربين بعرض الحائط صوت الشارع المناضل ومتطلبات المرحلة.

رغم مرور أشهر على توقيع اتفاق اقتسام الغنيمة العرجاء بين حماس وفتح لا نرى وحدة على الارض ولا في سماء فلسطين. لا وحدة نضالية ولا وحدة سياسية خطابية ولا وحدة استراتيجية للنضال. ما نتابعه هو ان حكومة حماس في غزة وقيادة فتح في رامالله ما زالتا في نفس الموقع وفي ذات الخانة التي كانو بها قبل توقيع اتفاق المحاصصة ! كل منهم متربع على كرسي عرش هازل  محاطا بالمستوطنات وجيش الاحتلال الإسرائيلي ، وشعبنا الفلسطيني وحده من يدفع الثمن .

اما الدمية المسماة “ حكومة الوحدة الوطنية“ فحدث ولا حرج فهي ما زالت أسيرة المحاكات الفتحاويه الحمساوية ولم تستطع حتى الان ان تتقدم بخطوة ملحوظة لاستلام زمام الأمور في غزه. والزيارة  الخجلة لرئيس الوزراء الفلسطيني لقطاع غزة بعد العدوان الصهيوني الغاشم برهان على ان هذه الحكومة ما هي الا زينة لإخفاء المحاصصة الحمسفتحاوية !!

وكي لا يترسخ الانطباع عند البعض انني متشائم عموما مِنْ الحالة الفلسطينية  أودّ ان أوضح باختصار انني أؤمن إيمانا قاطعا بانتصار شعبنا الأبي في حربة ضد الاحتلال والكولونيالية الصهيونية لكني آشك وهذا الشك يزداد يوم بعد يوم أن يتم تحقيق هذا النصر تحت قيادة مثل هؤلاء الرجال،( لا يوجد للأسف بينهم نساء!،)الذين يتربعون على مراكز السلطة في رام الله وغزه.  علينا  الأعتراف بالحقيقة الكاملة وبهذا الواقع المرير أن من يحتاج الى سبعة سنوات ونيف ليقوم بخطوة هزيلة واحدة لإنهاء معاناة الشعب الفلسطيني من الانقسام الذي زرعوه بايدهم وإرادتهم بيننا ، ومن يراقب من بعيد كيف دكت غزة بالصواريخ ودمرت أحياءها وكيف يعيش عشرات الآلاف من أبناء شعبنا  أشهرا بعد العدوان الصهيوني في مساكن  انتقالية او تحت العراء، ولا يحرك ساكنا.. هؤلاء الذين لا يصلحوا ان يكونوا حتى موظفون في بلدية صغيرة فما بالكم ان نأتمنهم على قضية شعب سلبت أرضه وما زالت تسلب يوم بعد يوم ، شعب يسعى  لتقرير مصيره ولا يريد أن يتحول لمتسول يتعايش على على فتات الدول المانحة.

واستنجد بالنهاية بقول السيد المسيح : لا يصلح ان تضع برقعة جديدة على ثوب قديم- لأصل الى الهدف الأساسي من المقال وزبدة الكلام انه اذا أراد الشعب الفلسطيني ان يتقدم خطوات جدية بصراعه من اجل تقرير مصيره عليه ان يقدم على خطوة جريئة تخلصه من ثقل الماضي القديم وقياداته التي  قامت بواجبها الوطني بالماضي لكنها غير قادرة وغير صالحة الان على تلبية متطلبات العصر ولا تملك أدوات التجديد وإرادة التغيير. ان ألأوان وليس فقط في أطر حماس وفتح بل في كل الأطر السياسية  الفلسطينية ان يتاح المجال للجيل الشاب الخلاق بأن يكمل مسيرة النضال بهمة وبرامج جديدة تصلح لمتطلبات المرحلة وتنتج فكر وأدوات نضالية تلبي معطيات العصر وتعري حقيقة الصراع مع المحتل الصهيوني.