المجلس الوطني الفلسطيني وفقدان البوصلة

المجلس الوطني الفلسطيني وفقدان البوصلة

رائف حسين

منذ الإعلان عن إصدار الدعوه رسميا لانعقاد المجلس الوطني الفلسطيني بعد انقطاع دام حوالي عشرون عام وألحالة الفلسطينية في تخبط على جميع الجبهات. نقاشات وتصريحات تتضارب حول شرعية الدعوة ومن وراءها وحول الأهداف من الانعقاد الان بعد تغييب مقصود للمجلس الوطني ودوره منذ سنوات طويلة وحول من يشارك ومن له الحق ان يشارك وما الهدف من المشاركة او من عدمها… كل هذه النقاشات والتصريحات محقة وبمكانها الا انها لا تعبر لا من قريب ولا من بعيد عن الحقيقة المرة التي تمر بها القضية الفلسطينية والواقع الحرج الذي زجت به القيادة الفلسطينية شعبها وقضيتها. في مقالات سابقة أسهبت في تحليل حالة الانسلاخ والضياع التي تعيشها القيادات السياسية الفلسطينية بأطيافها عن هموم الشعب ومآربه. بالاسطر القادمة أودّ ان أضع الاصبع على الجرح وبشفافية حول الخطوة التي اقدم عليها الرئيس محمود عباس واهدافه منها وعن التكتيك المافيوي والابتزاز السياسي الذي سبق الدعوة لانعقاد المجلس الوطني. كما وسوف أتطرق الي التخبط الذي تعيشه الفصائل الاخرى في منظمة التحرير من التجاوب مع الدعوة والانتقادات عليها وعن فقدانهم للبوصلة السياسية رغم مصداقية مطالب بعض هذه الفصائل بإعادة بناء المرجعيه الوحيدة للشعب الفلسطيني  على أسس ديمقراطية عصرية تراعي الحالة الاجتماعية والسياسيه للشعب الفلسطيني في أماكن تواجدة اخذين بعين الاعتبار التقلبات التي تعصف بالإقليم منذ اربع سنوات.

تصريحات القيادي الفتحاوي عزام الأحمد تعليقا على الدعوه لانعقاد المجلس الوطني بان أوسلو انتهى وتصريحات رفيقه عضو اللجنة المركزية في حركة فتح ابو العنين بان السلطة قادرة في كل لحظة إنهاء التنسيق الأمني مع الاحتلال تدل على ان السلطة ومن يدور في فلكها ما زالوا متمسكون باستراتيجيتهم القائمة على ان الشعب عبيط وبإمكانك كفصيل سياسي ان تلعب بعواطف الشعب بشعارات رنانة رغم انك مدرك تماما ان حبال العربة قد خرجت من يديك ولم يعد لك لا قوة ولا حيلة فالسلطة الفلسطينية وفتح الفصيل الأكبر والاهم في م ت ف ربطا مصيرهما بسياسة الدمار الوطني التي بدأت في مدريد وتوجت بأوسلو وزينت بالتنسيق الأمني. كلام الأخوة في فتح لم يعد ذَر الرماد في العيون وحسب بل اصبح تخبط كالغريق الذي يقاوم الموت والفناء. أوسلو لم ينتهي وانعقاد المجلس الوطني في رام الله تحت اعين الاحتلال وبموافقته ورعايته هو الخطوة الاخيرة في تحقيق كل أهداف أوسلو التي رسمتها غرفة العمليات الإسرائيلية بدعم أمريكي أوروبي وبقبول ساذج للقيادة المتنفذة في الحالة الفلسطينية وعل رأسهم قيادة فتح.

 لاوسلو قراءتين واحدة فلسطينية مبنية على التمني والانتظار واُخرى إسرائيلية صهيونية مبنية على برنامج مدروس وخطة مفصلة للوصول الى اهدافهم الاساسية التي لم يتمكنوا من تحقيقها بحروبهم ضد شعب فلسطين وقيادته الشرعية الوحيدة. الرئيس الراحل عرفات ظن ان حنكته السياسية وقدرته على التلاعب بأطراف الصراع كما فعل اربع قرون متتالية في م ت ف وفصائلها ومؤسساتها تمكنه من الوصول الى هدفه السامي بتحرير الارض والشعب ناسيا ان  الأطراف الاخرى التى مزجت مصل اوسلو الذي تجرعه، أحدق واقوى من فصائل م ت ف وما قدمته غرفة العمليات له ولحركة فتح من حلويات في بداية المسيرة كان هدفها أصلا  القضاء عليه وعلى القضية التي كان يحملها ويقاتل من اجلها. غرفة العمليات الاسرائيليه الامريكية كانت تعد للإجهاض على فلسطين شعبا وقيادة وأرضا ووجودا وها نحن الان امام مشهد مأساوي لا يختلف علية عاقلان.

شعب فلسطين مشتت ومنشق على نفسه وأرض فلسطين مقسمة جغرافيا وسياسيا واجتماعيا والممثل الشرعي والوحيد لعموم الشعب الفلسطيني اصبح شبحا ليس الا. حركة التحرر الفلسطيني التي نقشت أسطورة النضال في تاريخ البشرية والهمت شعوبا وحركات في أنحاء العالم كانت حجرة العثرة الوحيد امام المشروع الصهيوني وكان هدفهم الإجهاض على هذه الحركه وخلق البديل لها.الصهاينة ومعاونوهم من عرب واجانب شنوا الحروب وفتحوا المعارك واغتالوا القادة  وفبركوا لبدائل من امثال روابط القرى واخرون لكنهم فشلوا وبقيت م ت ف العمود الفقري للشعب الفلسطيني وقضيته حتى أتى اوسلو وبدأ ببناء تابوت لمنظمة التحرير وكان انعقاد المجلس الوطني المنقوص في غزة تحت رعاية صهيونية ورقابة امريكيه تكملة لبناء التابوت الذي كانت خشبته الاولى في بناء السلطة الفلسطينية التي حلت محل م ت ف وأبعدت الاخيرة عن الساحة السياسية وهمشت مؤسساتها ودمرت بنيتها التحتية. وافلاس م ت ف وصل ذروته في التعامل مع قضية نهر البارد ومخيم اليرموك  ومخيم عين الحلوه ومتغيرات الإقليم كاملا.

البرنامج الصهيوني بالقضاء على منظمة التحرير تمهيدا للقضاء على القضية الفلسطينية برمتها اصبح الان قاب قوسين او أدنى وانعقاد جلسة المجلس في رام الله بهذه الظروف وهذه الخلفية التي نراقبها منذ أشهر وفي ظل التوافق الحمساوي الصهيوني على سلام غزاوي هو بمثابة الخطوة الاخيرة في برنامج الإجهاض على م ت ف . حماس بتوقيعها للاتفاق مع الصهاينة ستصبح في نظر الطرفين، حماس وإسرائيل، ونظر العالم الغربي وايضاً في نظر من يقف وراء حماس من أنظمة داعمة للإخوان ومشاريعهم هي الممثل الواقعي والفعلي للشعب الفلسطيني الذي أقام دولته الفلسطينية في غزة. محاولة محمود عباس الاستنجاد بما تبقى من منظمة التحرير من سراب لإنقاذ سلطة فتح وحركة فتح من الاندثار ان اقدمت حماس على خطوتها المشؤومة، هي خطوة مفهومة الا انها ايضا خطة كما حضر في مطبخ الرئيس حتما ستكون فاشلة وطريقة الاستنجاد خاطئة ومدمرة. محمود عباس يدرك تماما ان التوقيع على الهدنة بين حماس وإسرائيل الذي وضعت خطوطها الاولى سنة ٢٠٠٥ في ورقة احمد يوسف قبل خوض حماس الانتخابات التشريعية سنة ٢٠٠٦، سيكون بمثابة النهاية لرحلة السلطة الفلسطينية وستبدأ النهاية بتقليص الدعم الغربي والعربي للسلطة ولا اجزم ايضا ان يتم حذفه بالكامل وملاحقة قيادات ونشطاء فتح وفصائل م ت ف في الضفة من قبل الاحتلال. وهو يدرك ايضا ان مشروع توسيع قطاع غزة، الدولة الفلسطينية، باتجاه سيناء سوف يتم بعد ان يكتمل سيناريو إخراجه وتسويقه عالميا وفلسطينيا واقليميا وايضاً بعد ترويض مصر وإغراؤها للقبول بالفكرة.

 هذا السيناريو ليس قضاء وقدر بل هو مشروع مخطط له وللقضاء والقدر حيز ومكانة في الغيبيات لا في السياسة. المشاريع السياسية التدميرية التصفوية يتم الإجابة عليها بمشاريع سياسية وطنية مضادة مدروسة ومحكمة ومستندة الى أوسع قاعدة جماهيرية وأوسع تكاتف فصائليي وليس بالتلفيق والدجل.  قبل الاستنجاد بمنظمة التحرير المهمشة ومؤسساتها الهلامية كان على محمود عباس رئيس اللجنة التنفيذية البدء بالعمل الجاد على بناء هيكلية قوية لمنظمة التحرير وكان على فصائل المقاومة وخصوصا فصائل اليسار الديمقراطي ان لا تتلاهف على القدوم الى رام الله بعد الإعلان عن إصدار الدعوة لتكون مجرد ورقة توت وشاهد زور على تثبيت الخشبة الاخيرة في نعش م ت ف. الرد على خلق البديل الحمساوي ل م ت ف والذي بدأ بمشروع الاخوان قبل انطلاقة الانتفاضة الاولى ما زال ممكنا وتحقيقه ممكن وواجب وطني على كل الوطنيين فصائل وافراد. بداية الجواب تكون بمقاطعة فصائل م ت ف وخصوصا اليسار الديمقراطي جلسة المجلس الوطني الملفقة في رام الله والخروج الى الشارع يدا بيد مع إبناء حركة فتح الشرفاء الذين سئموا من عنجهية قيادة تنظيمهم وأسلوبه السيء والفاشل في إدارة الصراع مطالبين بانتخابات فورية للمجلس الوطني وفقا لقانون انتخابي ديمقراطي عصري بعيدا عن انتخابات الكولسة وتوزيعات الكوتة الممقوتتين. خطوة كهذه يجب ان يسبقها مطالبة شعبية واسعة للسلطة بقطع كل الاتصالات بالاحتلال بدأ بوقف التنسيق الأمني مرورا بتعرية المتسلقين من ازلام السلطة الذين رغم علمهم من تكتيكات الصهاينة البديلة ما زالو يحجوا الى تل ابيب وعواصم أوروبية للقاء أصدقاءهم الصهاينة منتهيا بدعم الحراك الشعبي المفتوح ضد الاحتلال وقطعان المستوطنين واسناد هذا الحراك بما امتلكنا من مال وقوة. ولا ننسى هنا ان ابناء حماس الشرفاء وعلى رأسهم كتائب القسام العسكرية لم تؤيد بعد مشروع قيادة حماس بالخارج ومن المرجح ان لا تنساق وراء مشروع مشعل ومن المحتمل ايضا ان تنضم الى جبهة الرفض الحمساوية شخصيات بارزة من القيادة من امثال الزهار ليس حبا بمنظمة التحرير لكن كرها لمشروع قيادة حماس بالخارج ونزاع مع هذه القيادة على الخط السياسي الصحيح للحركة. هذه القيادة الحمساوية في الخارج التي أصبحت دمية بايدي مموليها وحجر شطرنج في لعبة تجزئة المقسم بالإقليم كله. وانا على ثقة تامة بان هؤلاء الشرفاء من ابناء حماس و كتائب القسام سيقفون مع ابناء شعبهم ومن اجل قضيتهم المقدسة وسيدوسون باقدامهم على مشاريع التصفية والتقسيم. نجاح مثل هذا الحراك مرتبط دون شك ببرنامج صمودي ردعي تحركي ضد الضياع والفناء.  يخطأ من يظن من فصائل وقادة اننا الان امام صراع حول الشرعية هنا او هناك… شعب فلسطين وقضيته في وسط معركة وجودية حقيقية تتطلب اكثر من تكتيك ضيق لا يعتمد على استراتيجية وطنية طويلة الامد.

التصريحات والانتقادات التي ادلت بها قيادات من فصائل م ت ف ردا على خطوة الرئيس محمود عباس بالدعوة لانعقاد المجلس الوطني والتي كان فحواها ان الرئيس يريد تثبيت موقعه في اللجنة التنفيذية للانفراد بالقرار ويريد ان يضمن اكثرية موالية له ولطرف فتح الذي يمثله في المجلس الوطني الخ… كل هذه الانتقادات تأتي من باب “ الحفاظ على ماء الوجه“ ليس الا. فهي انتقادات بالية سمعناها مئات المرات ولا علاقة لها بواقع المنظمة بتاتا. الحقيقة هي ان الرئيس محمود عباس ومن قبله الراحل ياسر عرفات لم يراعوا رأي اللجنة التنفيذية او المجلس المركزي اي اهتمام. او هل يتذكر منكم متى استطاعت أية مؤسسة من مؤسسات م ت ف ان تنفذ قرارا مخالفا لرأي الرئيس حتى لو كانت اكثرية المؤسسة قد صوتت لصالح القرار؟ فتح وقيادتها تعاملوا مع م ت ف كقاعدة سلطوية وليس كإجماع وطني وهوية ومرجعية شرعية. هم يعتبرون م ت ف بمؤسساتها وكل ما يتعلق بها ملكا لهم وهكذا يتعاملون مع المنظمة ومن تواجد داخلها. في الخمسين سنة الماضية من عمر منظمة التحرير لم يتم تقديم أية تقرير مالي كامل لمؤسسات المنظمة وكان رئيس م ت ف يعتبر ان هذا امر يخصه وحده والتاريخ يشهد على المواقف التي تم بها استعمال أموال م ت ف من قبل فتح لابتزاز الفصائل الاخرى او لمعاقبتها على مواقفها السياسية . م ت ف بنظرهم وتعاملهم ليست الا قناع يتم لبسه واستبداله متى دعت الحاجة. والآن وبما انه يلوح بالافق ملامح اتفاق كامل وشامل وبرعاية إقليمية مميزة بين حماس وإسرائيل لإقامة „دولة فلسطينية على ارض فلسطينية محررة“ يرى الرئيس محمود عباس ان البساط سوف يسحب من تحت قدميه. ولا استبعد ان ترد حماس على منتقديها من م ت ف بان ما تنوي القيام به ليس الا تجسيدا وتحقيقا للبرنامج المرحلي والتي لم تستطيع الاخيرة بتحقيقه على مدار العقود الخمسة الاخيرة. ولا استبعد ايضا ان تقوم قيادة حماس بابتزاز الرئيس وفصائل م ت ف ومحاولة مقايضة اتفاق الهدنة مع اسرائيل بالمشاركة ب م ت ف وفقا للشروط الحمساوية المعهودة ومطالبة مشعل الرئيس محمود عباس يوم الاثنين الماضي بتأجيل موعد انعقاد المجلس تجري في نفس المسار.

الجواب الصحيح الان هو الرد الجذري على متطلبات المرحلة وليس رد الديكور لحفظ ماء الوجه والامتيازات التي يمكن الحصول عليها من المتنفذين في مؤسسات الشعب.

Raif  Hussein

Raif@raif-hussein.de

Schreib einen Kommentar

Deine E-Mail-Adresse wird nicht veröffentlicht. Erforderliche Felder sind markiert *