أوسلو.. الكارثة الثالثة في تاريخ الشعب الفلسطيني

 أوسلو.. الكارثة الثالثة في تاريخ الشعب الفلسطيني
مقال بصفحة – 14
بقلم رائف حسين

كان على حق الامين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، الرفيق والمفكر اليساري نايف حواتمة، عندما قال ان اتفاق اوسلو يحمل قرحته بداخله وسوف يجهض على نفسه بنفسه.
في الذكرى العشرين لتوقيع الاتفاق في باحة البيت الابيض بواشنطن لم يبقى لنا من وجهة نظر فلسطينية سوى ان نقر بان الاتفاق فشل فشل ذريعاً وأنه الحق بالمشروع الوطني الفلسطيني كارثة توازي نكبة ١٩٤٨ ونكسة ١٩٦٧، واتى بمكاسب للدولة الصهيونية لم تحلم قياداتها بتحقيقها منذ اغتصاب فلسطين.
الفرق الاساسي بين كل من نكبة ١٩٤٨ ونكسة ١٩٦٧ وكارثة اوسلو، ان الاخيرة حصلت باختيار وقناعة القيادة الفلسطينية. في الفترة التي تم توقيع اتفاق اوسلو بها لم يكن مصير الشعب الفلسطيني ومصير ارضة بايدي عربية او اجنبية كما كان الحال عليه في الوقت الذي حصلت المصائب الماضية. القيادة المتنفذة في منظمة التحرير بقيادة الراحل ياسر عرفات هي وحدها التي تتحمل مسؤولية هذه الكارثة امام الشعب الفلسطيني وامام التاريخ. هذه القيادة وقعت اتفاقات اوسلو وما تلاها من اتفاقات اذعان وبيع للمصالح الوطنية الفلسطينية برغبتها الذاتية ودون ان تعود للمؤسسات القيادية في م.ت.ف ودون ان تستجوب الشعب حول الاتفاقات التي تتعلق بمصيره ولو لمرة واحده خلال الاعوام العشرين الماضية.
القيادة التي تربعت على العرش بعد اغتيال الرئيس عرفات لم تكن افضل من سابقتها. محمود عباس ومن حوله كرسوا الاذعان واستفردوا بالقرار واستمروا بالنهج السابق المبني على التنسيق الامني مع الاحتلال من جهة، مع استمرار الاخير بسلب الارض الفلسطينية وبناء المستوطنات، وعلى الهدم البطئ للاقتصاد الوطني وذلك بربطه بالاقتصاد الصهيوني وبالتسول من الدول المانحة من جهة اخرى.
بعد عشرين عاما من توقيع اتفاقات اوسلو نطل على ارض فلسطين المقطعة اوصالها بالمستوطنات الصهيونية والطرق الالتفافية وعلى شعبها المحبط والمكسورعود مقاومته بتخلي القيادة المتنفذه عن حق الشعب بمقاومة الاحتلال وعلى قيادة فلسطينية في شطري الوطن جل همها المحافظة على امتيازات رموزها ومن لف لفهم من خدم. نعم لقد شرع اوسلو الاستيطان ومكن الصهاينة من سلب الارض الفلسطينية بشتى الطرق. اتفاق اوسلو الذي حاول ياسر عرفات ومن بعده محمود عباس تسويقه على انه انجاز لشعب فلسطين وبوابة الانفراج الوطني وبناء الدولة العتيدة تبين بتفاصيله عكس ذلك. ارض فلسطين اصبحت ارض متنازع عليها وحق السيطرة محفوظ لطرفي النزاع! وشعب فلسطين اصبح بالتعريف والتعاطي اليومي فقط هؤلاء العرب الذين يقطنون في الاراضي المحتلة عام ٦٧. بقيام السلطة الفلسطينية كما نصت عليها الاتفاقات بدا الهدم البطئ لمنظمة التحرير الفلسطينية. واليوم لم يبقى من م.ت.ف سوى هيكل ضعيف دون روح تتشبث به قوى المعارضة في محاولة منها لانقاذ الهوية الفلسطينية من الاندثار. ويجيرها محمود عباس ومن حوله لسلب شرعية كاذبة لسياسته الهدامة. وان كانت مناداة المعارضة الديمقراطية لاصلاح مؤسسات م.ت.ف بجوهرها صادقة تنم عن نية صافية لاجل المصلحة الوطنية الا انها منقوصة، وما هي الا صراخ في صحراء خاوية. على المعارضة بداية ان تجيب على السؤال الحرج حول العلاقة بين السلطة وبين م.ت.ف، وانا لا اقصد هنا ما تم كتابته في بروتوكولات اللجنة التنفيذية، فهذه المؤسسة وقراراتها لم يعد لها قيمة منذ توقيع اوسلو، ولا اقصد ايضا ما باعه ياسر عرفات من كلام عسلي لشعب فلسطين بل اعني في هذا السياق الواقع الفلسطيني اليومي. هذا الواقع يظهر للقاصي والداني بان السلطة الفلسطينية حلت محل م.ت.ف وورثتها، ولم يعد للاخيرة سوى وظيفة نوستالغية ليس الا. من يريد اعادة اللحمة الفلسطينية واعادة بناء الهوية الفلسطينية عليه ان يعمل على حل السلطة الفلسطينية وخلع ورقة التوت التي تغطي عورة الاحتلال واعماله، اي شئ غير ذلك ليس الا دجل والتفاف على مشاعر الشعب وعواطفه.
من يتابع العناء اليومي والموت البطئ لابناء الشعب الفلسطيني في مخيم اليرموك ومن يتتبع نضال ابناء الشعب الفلسطيني في الاراضي المحتلة عام ٤٨ ضد مخطط برافر وغيره، ويرى ما “ قامت“ به م.ت.ف ومؤسساتها لهؤلاء، يدرك انها لم تعد تشكل سوى سراب في الافق، ويدرك ايضا ان كلام ازلام السلطة ما هو الا نعيق وبيع كلام في وسائل الاعلام وان همهم الاساس هو ارضاء الدول المانحة والمحافظة على امتيازاتهم . من لم يفكر ولو للحظة واحدة بتجميد التنسيق الامني مع الاحتلال ولا يكف عن تسويق الكلام عن مفاوضات السلام الكاذبة في الوقت الذي يقوم به الاحتلال يومياً وامام عينيه بسلب الارض وبناء المستوطنات قد اصبح في خانة اخرى ولم يعد يأتمن على المصلحة الوطنية.
ان الاوان لقوى المعارضة الفلسطينية الديمقراطية ان تصارح شعبها بواقعه وتطلب منه التحرك لانقاذ ما تبقى. عليها ان تبدأ بإتمان الشعب على مصيره وان تتيقن بان شعب فلسطين قوي وارادته فولاذية ووحدته هي البوصلة الوحيدة التي تحركه وعليها ايضا الكف عن لعبة التخفي وراء شعارات رنانة لا تغني عن جوع ولا عن عطش.

* مدير معهد الدراسات الاستراتيجية للشرق الاوسط – هانوفر/ المانيا

Schreibe einen Kommentar

Deine E-Mail-Adresse wird nicht veröffentlicht. Erforderliche Felder sind mit * markiert.