مواجهة الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل…

مواجهة الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل…
بين الدعم والتضامن المثمرين وفشة الخلق الشعبويه المدمره!
مقال بصفحة 65
الكاتب والمحلل والباحث السياسي رائف حسين- المانيا

في تاريخ الصراع الفلسطيني الاسرائيلي احتلت الشعبوية مكاناً مرموقاً بتعبئة الجماهير وليس فقط فِي الخطاب السياسي العام بل ايضاً في الخطاب السياسي الاستراتيجي الموجه للاخر… هذه الشعبوية تزداد زخامة وظهوراً ونستطيع ان نراقبها بوضوح عندما تتفاقم الأوضاع وتنفجر الأزمات. هذا الامر لا يقتصر فقط على القوى السياسيه الفلسطينيه والجماهير الفلسطينيه والعربيه كما يدعي البعض، بل نجده ايضاً ومنذ سنوات بكثافه وغزارة كبيرتين داخل المجتمع الاسرائيلي وفِي خطاب قياداته السياسيه.

الشعبوية بحد ذاتها امر نسبي وليس امر مجرد واضح بحدوده ومعالمه… بكلمات اخرى، ما اعتبره انا شعبوي يعتبره محلل أو مراقب اخر طرح سياسي براغماتي ومحلل ثالث يرى به خطاب سياسي واقعي قريب من الحس الجماهيري… لهذا يصعب ان نجد سياسي صادقً مع نفسه وجماهيره أو ناشط سياسي يستطيع ان يدعي بان ايداءه السياسي خالي تماما من الشعبوية…

في اغلب الأحيان يتم الاستعانة بالشعبوية في الخطاب والطرح السياسييين لتصوير وضع سياسي اجتماعي بغلاوه ومبالغه اما من موقع قوة وهو برهان على العنجهية عند الشعبوي أو من موقع ضعف وهو تعبير عن سياسة فش الخلق وانعدام وجود سياسة مواجهه نزيهه عند هذا الشعبوي أو المروج للفكر الشعبوي.

الشعبويه كالملح بالطعام بدونه لا نجد طعمة وكثرته لا تطاق!

المصيبه والكارثة يبدءا عندما تتحول الشعبوية الى الخطاب السياسي الوحيد الكاسح والمتواجد بكل مكان وفِي كل حدث سياسي والطاغي على كل الأفكار الاخرى والمهيمن في الخطاب السياسي لطرف ما…هنا تتحول الشعبويه الى ديماغوغيه وفِي هذه اللحظة يقترب المجتمع بنخبته السياسيه وقاعدته الجماهيريه الى الهمجيه والوحشية التي لا تعرف حدود للعداء والكراهيه. التاريخ مليء بحالات شعوب وقيادات سياسيه بدأت بالشعبوية في خطابها وتوجهها لجماهيرها وحلفاءها وخصومها وانتهت بوحشيه عنصريه اجراميه.

في الحالة الفلسطينيه الراهنة وبعد توقيع الرئيس الامريكي ترامب على قانون الاعتراف „بالقدس الموحده عاصمة ابديه لإسرائيل“ طغت الشعبويه على الخطاب السياسي الفلسطيني ولَم تترك مجالا للطرح العقلاني المتزن الذي يخدم القضيه والشعب.

الطرح الشعبوي لم يقتصر على طرف سياسي دون غيره… الكل من إسلامي الى علماني من تقدمي الى محافظ من شيوعي الى كتابي كلهم أبدعوا وتنافسوا بينهم بالخطاب الشعبوي. الاخطر في هذا الامر ليس الخطاب السياسي الشعبوي بحد ذاته، بل نتائج هذا الخطاب على الحالة الفلسطينيه التي لا يمكن تداركها بعد…

ولكي لا اطيل عليكم أودّ ان أعدد بعض مفردات الخطاب الشعبوي الفلسطيني وارتدادتها السلبيه المدمره على القضيه العادلة للشعب الفلسطيني:

اولا الكلام عن القدس الفلسطينيه ألعربيه بارضها واهلها وتنوعها الديني والحضاري والثقافي بكلمتي „القدس الشريف“… يحصر النقاش من كل زواياه، السياسية والدينية والانسانيه والوطنية والقانونية، في حوالي ألفين متر مربع ويتجاهل الباقي… هذه هي مساحة „القدس الشريف“ التي بداخلها نجد الى جانب الأقصى وقبة الصخره ايضاً حائط المبكى وكنيسه القيامة ومعالم دينيه اسلاميه ومسيحيه ويهودية مختلفه . هذا المصطلح قبل كل شيء هو مصطلح استقصائي وشوفاني وأكثر المصطلحات التي إسائت لقضية القدس الوطنيه. عندما يستعمل المواطن الفلسطيني والعربي هذا المصطلح يمكن لنا ان نتغاضى النظر عن النظرة الفلسفية النقديه العميقة ونعتبر ان هذا كلام نابع عن فطره ولا يوجد له بعد سياسي أو اجتماعي أو ديني… لكن يختلف الامر تماماً عندما يصبح هذا المصطلح احدى مكونات الخطاب السياسي لحركات وأحزاب وقوى سياسيه اجتماعيه كبرى ومؤثرة في المجتمع الفلسطيني وفِي العالميين العربي والإسلامي. وبتبني التيارات الاجتماعية والسياسيه العلمانيه ايضاً لهذا الخطاب ولهذا المصطلح يتحول الامر الى مصيبه وكارثه وطنيه وقوميه! بتبني هذا المصطلح يصبح عنوان وبُعْد الصراع الفلسطيني الاسرائيلي ديني وليس سياسي. هنا تصبح التوراة ويصبح الإنجيل والقرأن مرجعيه الاحقية وتقرير المصير وليس التاريخ والسيروره البشرية…تحويل الصراع من صراع شعب مضطهد مسلوب الارض والحقوق ضد كولونيالية استعماريه وحشية همجيه كالصهيونية الى صراع ديني هو خدمة مجانية للمشروع الصهيوني بالشرق الأوسط. هذا الخطاب الشعبوي المدمر نراه ينتقل بين البشر كالنار بالحصيد… إرهاصات هذه الشعبويه نتابعها الْيَوْمَ في كل أنحاء المعموره عندما تتحرك الملايين لنصرة الأقصى ولا تتحرك عندما تصادر اسرائيل عشرات آلاف الدونمات من الاراضي المقدسية وتهجر أبناء القدس من بيوتهم في القدس القديمة وتغير معالمها الفلسطينية ألعربيه… منذ ان انتقل الخطاب الشعبوي من خطاب الاسلام السياسي ليصبح خطاب الجميع في نهاية ثمانينات القرن الماضي زرعت اسرائيل عشرات الآلاف من البيوت في القدس ومحيطها وأسكنت مئات الآلاف من المستعمرين هناك ولَم يتحرك الشارع الاسلامي والعربي لان „القدس الشريف“ بخير… والان يبكي الجميع على „القدس الشريف“ الذي اعترفت به امريكاً جزءاً من دولة الاحتلال! هذه هي الشعبويه بامتياز!

من ارهاصات هذا الخطاب الشعبوي المدمر ايضاً ما نراه الْيَوْمَ في مظاهرات الجاليات ألعربيه والفلسطينيه في أوروبا للاحتجاج على اعتراف الولايات المتحده بالقدس عاصمة لإسرائيل … عشرات الآلاف من أبناء الجاليات الفلسطينيه والعربيه جنب الى جنب مع جمعيات التضامن الاجنيه في مئات مدن أوروبا تتظاهر ضد توقيع ترامب على القانون العنصري ضد شعبنا وقضيته العادله متسلحين بموقف الدول الاوروبيه المعارض مبدأياً لقرار ترامب، الا ان اقليه ضئيلة جداً متأثرة بالخطاب الشعبوي الدمار استطاعات بشعارات حقيرة مثل „خَيْبَر خَيْبَر يا يهود“ وأعمال تافهه مخالفة لقوانين الدول الاوروبيه كحرق العلم الاسرائيلي ان تحول النقاش من دعم مصالح الشعب الفلسطيني واهمية هذا الدعم الى موقف مغاير… اعمال هؤلاء السفهه ومن خلفهم من شعوبيين هي خدمة مجانية للصهيونية ومشروعها الكولونيالي وهؤلاء الجهلة هم العدو اللدود لقضية الشعب الفلسطيني ومصلحته الوطنيه. وهنا لا بد ان اذكر هؤلاء بدياليكتك حول فهم الصراع الفلسطيني الاسرائيلي كتبته مراراً وأعيده هنا:

صراع الشعب الفلسطيني مع اسرائيل هو صراع سياسي وصراع على الارض والوجود وليس صراع ديني أو عقائدي… ليس كل يهودي هو إسرائيلي أو صهيوني… وليس كل صهيوني هو إسرائيلي أو حتى يهودي… وليس كل إسرائيلي هو يهودي أو صهيوني…

ثانياً تعبئة الجماهير بان جوهر الحدث هو نقل السفارة الامريكية من تل أبيب الى القدس…

عندما اقراء تعليقات البعض على الحدث واسمع تحليلاتهم استغرب من كلامهم واسأل نفسي هل هذا نابع عن جهل وعدم معروفه أم انه توجيه شعبوي مقصود؟ نقل السفارة الامريكية من تل ابيب الى القدس هو احدى نتائج الحدث وليس الحدث الاخطر ذاته…ونقل السفارة هو عمل تقني لا يجب الاستهانة به سياسياً لكن لا حاجه للتهويل الشعبوي به وإظهاره وكأنه مركز الحدث. القانون الذي وقعه ترامب هو قانون تم إقراره سنة ١٩٩٥ باكثرية السينات ومجلس الشيوخ الأمريكيين وتوقيع الرئيس عليه يعني بانه اصبح ساري المفعول ويجب العمل به تقنيا وسياسياً. القانون ينص حرفياً على ان القدس الموحده (اَي شرقها وغربها، وهذا هو نص القانون الاسرائيلي الذي أقره الكنيست الاسرائيلي في بداية الثمانينات) عاصمة ابديه لدولة اسرائيل! الكلام عن نقل السفارة وتعبئة الجماهير بمعلومات منقوصة هو بحد ذاته اغتصاب لعقول ومشاعر البشر… القانون الذي وقعه ترامب لا يمكن إلغاءه حتى لو تراجع ترامب نفسه واعتذر عن التوقيع… القانون اصبح ساري المفعول وفقط قانون امريكي اخر يستطيع تحييد هذا القانون والجميع يعرف ان أكثريه في أمريكا لصالح قانون „مناهض للاعتراف بالقدس الموحده عاصمة لإسرائيل“ هو اكثر من مستحيل…تحركات الجماهير والمناصرين بالعالم مهمه جدا لتحجيم التعامل مع القانون الامريكي ومحاولة خلق جو داعم للاعتراف في دولة فلسطين وعاصمتها القدس الشرقيه من قبل دول العالم وخصوصاً الدول الاوروبيه… الصراخ ضد نقل السفارة هو تمييع للمطلب الأساسي من التحركات والمظاهرات الداعمة للشعب الفلسطيني بالعالم وهي كلام شعبوي ليس الا.

ثالثاً مطالبه الدول ألعربيه والأجنبية بالإقدام على خطوات عقابيه سياسية واقتصادية ضد اسرائيل كردة فعل على عنجهيتها الكولونيالية…

ان التعامل مع هذا المطلب الفلسطيني الذي يكرره كل اللاعبون السياسيون في الساحه الفلسطينيه من سلطة ومعارضه ومن بقي وسطهما، مهم جدا ولا غبار عليه، ان أخذناه مجرد وبعيد عن الواقع… لكن واقع الحال في فلسطين المحتلة يكشف امور عديده تجعل هذا المطلب كلام شعبوي ليس الا!

الطرف الفلسطيني الرسمي ينسق مع الاحتلال امنياً ولوجستياً وتربطه به اتفاقيات بهذا الشأن… لم يلوح الفلسطيني حتى بتجميدها رغم كل ما حصل في الماضي ويحصل في هذه الساعه في فلسطين المحتلة ويتعامل ايضاً مع الاحتلال اقتصاديا ويفتح أسواقه للمنتوجات الاسرائيليه عَلى مصراعيها، رغم ان لمعظم المنتوجات الإسرائيلية بديل وطني في فلسطين المحتلة!

فباي عين يطالب الفلسطيني الرسمي ويعبئ الشارع الفلسطيني بالطلب من الآخرين من دول عربيه واجنبيه بان تقوم بخطوات اجرائية ضد اسرائيل، مثل تسكير السفارات الاسرائيليه وقطع العلاقات الدبلوماسية والاقتصاديه بها، رغم انه هو لا يقوم بهذا؟

الخطاب الجماهيري والسياسي يجب ان يوجه الى السلطة الفلسطينيه اولا لحثها على توقيف التنسيق الأمني مع الاحتلال وإغلاق الاسواق الفلسطينيه في وجه المنتوجات الاسرائيليه ليتسلح العربي والأجنبي بموقف فلسطيني واضح معالمه الصمود والتحدي وليس الشوفانيه والشعبوية.

في هذا السياق اذكر القاريء الكريم بقول سيدنا المسيح في أصحاح متى ٧:

لا تدينوا لكي لا تدانوا. لأنكم بالدينونة التي بها تدينون تدانون وبالكيل الذي به تكيلون يكال لكم. ولماذا تنظر القذى الذي في عين أخيك وأما الخشبة التي في عينك فلا تفطن لها!

Schreibe einen Kommentar

Deine E-Mail-Adresse wird nicht veröffentlicht. Erforderliche Felder sind mit * markiert.