كوريا الشمالية وفلسطين – الولايات المتحدة وإسرائيل

كوريا الشمالية وفلسطين – الولايات المتحدة وإسرائيل
مقال بصفحه 54
الكاتب والمحلل والباحث السياسي رائف حسين- المانيا

اعتقد ان معظم القرّاء للوهلة الاولى لا يرون القواسم المشتركة بين مفردات عنوان المقال. هذه الحقيقة لا تفاجئني اذ ان كوريا الشمالية بعيده جغرافياً وسياسياً وواقعياً عنا في الشرق، وهمومها تظهر للأكثرية العظمى من اهل الشرق هموم اخرى غير تلك التي تسيطر على عقولنا.

إن معظم متعاطي السياسة وعلمها في شرقنا تبنوا للاسف التبجح السافر على كوريا الشمالية شعبا وقيادة، مجتمع ونظام حكم. لكن رغم هذا الانطباع السلبي التهكمي السائد الا انني على يقين اننا، عموماً في الشرق العربي وخصوصاً في فلسطين المحتلة، نستطيع التعلم الكثير من كوريا الشمالية وتجربتها مع الولايات المتحدة وحلفاءها وصمودها على مدار اكثر من سبعة عقود.

عودة سريعة لتاريخ الازمة الكورية وتاريخ الشرق الاوسط يظهر لنا أوجه التطابق بين ما حصل في شرقنا الاوسطي في منتصف القرن الماضي وما حصل في شبه الجزيرة الكورية.

منذ عشرينات القرن الماضي كانت شبه الجزيرة الكورية محتلة من اليابان القيصرية وبقيت حتى نهاية الحرب العالمية الثانية كولونيالية يابانية. بعد انهزام اليابان امام الولايات المتحدة الامريكية في الحرب تمركزت القوات الامريكية في القسم الجنوبي من شبه الجزيرة وقسمت البلاد عشوائياً على خط العرض 38 بين جنوب وشمال.

الجنوب اصبح ملعباً للغرب الاستعماري وتبلور هناك نظام حكم كوري جنوبي متعاون مع المحتل الامريكي وفي الشمال بدأت تجربة بناء الدولة الاشتراكية بدعم من الصين والاتحاد السوفيتي. في الوقت ذاته عبث الاستعمار الاوروبي بقيادة بريطانيا وفرنسا بالإرث العثماني في شرقنا العربي وبدأ في تقسيم الشرق عشوائياً لدويلات واقاليم لبسط سيطرته وزيادة نفوذه. وبدأ بدعم المشروع الصهيوني لسلب ارض فلسطين من اَهلها الأصليين وتهجيرهم قسوة لبناء اسرائيل على أنقاضه.

انتهى هذا المشروع الاستعماري باغتصاب فلسطين عام 48 وتقسيم العالم العربي الى مملكات ودول كما رسمه اتفاق سايس بيكو بعد الحرب العالمية الاولى. وتحولت بعض الأنظمة العربية التي تسلمت السلطة الى أدوات لفرض وتنفيذ المشروع الاستعماري الاوروبي ولاحقاً الامريكي- الأوربي كما حصل في شبه الجزيرة الكورية. بعد الحرب الكورية التي دارت بين سنة 1950-1953 التي كرست تقسيم شبه الجزيرة الكورية وراح ضحيتها قرابة ثلاث ملايين قتيل كوري فرضت الولايات المتحدة الامريكية عقوبات اقتصادية وعسكرية ودبلوماسية على كوريا الشمالية.

هذه العقوبات ما زالت مستمرة حتى يومنا هذا وما زالت معاناة الشعب الكوري الشمالي تزداد يوم بعد يوم والأمريكي يحاول تركيعهم. العقوبات المفروضة على كوريا الشمالية لم يعرف التاريخ مثيل لها. فلا مقارنة بين تلك العقوبات والعقوبات التي فرضت على بعض الدول العربية التي وقفت امام الاستعمار ورفعت راية القومية ولا تلك العقوبات التي فرضت على ايران بعد الثورة الاسلامية عام 1979 ولا تلك العقوبات التي فرضتها أمريكا على كوبا.

العقوبات الامريكية على كوريا الشمالية تشمل كل مفاصل الحياة، لا تجارة خارجية تذكر لكوريا الشمالية وهي تتبادل السلع مع الصين بشكل محدود ودون تدخل بنكي خوفاً من العقوبات الامريكية على البنوك الصينية المرتبطة حتماً بالمصارف العالمية بنيويورك ويكاد لا يكون لكوريا سفارات في دول العالم الغربي وعملتها لا يتم التداول بها وهناك حصار إعلامي وعلمي وثقافي عليها، اضافة الى حصار ورقابة عسكرية لم يعرفها التاريخ من قبل.

منذ ذلك التاريخ والشعب الكوري الشمالي يقاوم من اجل البقاء على الحياة. هذا لم يكن خيار الشعب الكوري بل فرض عليه من الخارج كما فرض على الشعب الفلسطيني خسارة وطنه من الخارج وتكاتف بعض العرب مع الاستعمار الغربي لتثبيت شرذمة الشرق العربي وزرع اسرائيل بينه كما تكاتف النظام بكوريا الجنوبية مع الاستعمار الامريكي لحصار الشمال الكوري. فرضت العقوبات الامريكية على كوريا الشمالية لارضاخ الشعب الكوري وكسر عودة شوكته. تجويع الشعب الكوري الشمالي وموت مئات الآلاف منه لم يكن يوماً قضية انسانية للامريكان او للغرب. هٓمُ أمريكا كان وما زال كسر إرادة النظام والشعب الكوري الشمالي. في الوقت الذي نجح فيه الغرب في كسر إرادة العديد من الأنظمة العربية وإلحاقها بمشروعه الاستعماري بالشرق وترويض قسم من الشعب العربي وقسم من القيادة الفلسطينية للقبول بالواقع المفروض بقيت كوريا الشمالية نظاماً وشعبا صامدة امام كل العقوبات متحدية أمريكا وكل حلفاءها بالعالم.

منذ بداية ما يعرف بالازمة الكورية والقيادة في كوريا الشمالية تتبع استراتيجية واضحة المعالم تتمحور حول تقوية الذات بالتمكن العسكري والصمود لتعريض المصالح الامريكية ومصالح حلفائها في الشرق الآسيوي للخطر لاجبار الولايات المتحدة على بدء حوار الند بالند بين اطراف الصراع بعيداً عن الاملاءات الامريكية وفرصة هيمنتها على كوريا الشمالية قيادة وشعبا.

رغم الحصار الشامل استطاعت كوريا الشمالية ليس فقط بتطوير جيشها وترسانتها العسكرية وصواريخها الباليستية، بل بنت أسلحة نووية وأصبحت بهذا قوة نووية وعسكرية يعمل لها حساب بالعالم ولم يعد بالسهل الاعتداء عليها دون جر العالم الى حرب نووية لا يعرف احد مدى الدمار الذي سينتج عنها.

كوريا الشمالية ثبتت نفسها بالعالم ليس فقط كقوة عسكرية، بل كمدرسة عسكرية واستخباراتية بامتياز، تضاهي الكليات العسكرية والاستخبارية الامريكية والروسية والصينية.

كوريا الشمالية رائدة بالعالم بما يسمى بحرب الانقاق – اي بنايتها وتحصينها – والكل وخصوصاً في شرقنا الاوسطي تعلم على ايدي كوريا هذا الفن العسكري. وكوريا الشمالية كانت سباقة في بناء راجمات الصواريخ وتم لاحقاً نسخ تجاربها في هذا المجال في معظم الصناعات الحربية العالمية، حتى لا افهم خطأ انا شخصياً لا اروج لمثل هذه الاستراتيجية العسكرية قناعة مني ان تطوير الأسلحة والقدرات العسكرية، رغم أهميته لحماية المصالح الوطنية لكل شعب، الا انها تتم على حساب رفاهية المجتمع ومستوى حياته ورخاءه وعلمه وثقافته. والحروب، هكذا علمنا التاريخ، لا تدمر فقط العدو بل تدمر الذات أولاً.

الشعب الكوري الشمالي يدرك تماماً ان تركيز قيادته منذ منتصف القرن الماضي على تطوير قدراته العسكرية يأتي على حساب أمور مهمة للشعب كلقمة العيش والعلم والبنية التحتية والالتحاق بالحداثة ومشتقاتها وهو يحمل قيادته المسؤولية عن هذا النقص وعن حرمانها من السلع وملذّاتها الحياة والحريات كما حمل الشعب السوري والمصري والتونسي الخ قياداته من حرمانه من أمور حياتية مختلفة، لكن رغم هذا كله ما زال الشعب الكوري الشمالي يصطف خلف قياداته ويصمد امام كل التحديات.

القول الذي يروج دائماً بان الدكتاتورية الكورية تضرب بيد حديدية كل محاولة شعبية للوقوف امام قرارات القيادة ومؤسساتها ليس صحيح بالكامل… نعم يمكن لدكتاتورية ان ترهب شعب باكمله وتلجم كبحه لسنوات والتاريخ يشهد على ذلك لكن لا يمكن لدكتاتورية أياً كانت ان تلجم طموح شعب كامل وتضطهده على مدار أربعة اجيال كما هو الحال بكوريا الشمالية.

رغم معاناة الشعب الكوري الشمالي ورغم افراط قيادته بالصرف على الترسانة العسكرية واهمال كل جوانب الحياة الاخرى، الا ان كل محاولات الاستخبارات الامريكية وحلفاءها لاختراق الشعب الكوري وتحريضه للانقلاب على قيادته لم تفلح على مدار السبعين عاما الماضية. بالمقابل نجحت المخابرات الامريكية والغربية باختراق الاتحاد السوفيتي بعظمته وتفكيكه ونجحت باختراق المانيا الشرقية ومحتها من الخارطة العالمية وفككت المعسكر الاشتراكي الذي عرف بحلف وارسو ونجحت ايضاً باختراق المجتمع الصيني وحولته الى شبه مجتمع رأسمالي، لكنها ما زالت عاجزة حائرة امام الحالة الكورية… فأين السحر إذاً؟ الجواب يكن في معادلة يعرفها علم الاجتماع السياسي وعلم النفس الاجتماعي للمجموعات بان اللحمة الاساسية لمجتمع ما تكمن ليس في الرخاء الاقتصادي والمدخل اللامحدود للسلع الاستهلاكية، بل في قدرة القيادة بإعطاء شعبها العزة والكرامة فوق كل شيء. هذا ما أدركته القيادة الكورية الشمالية وهذا ما اعطته لشعبها على مدار السبعين عام الماضية وهذا ما اخفق كل محاولات الاختراق والعبث بلحمة الكيان الكوري الشمالي.

إن شعب فلسطين كان يعيش تحت الاحتلال وقبل انطلاق شعلة الانتفاضة الاولى برخاء اقتصادي لم يعرفه بعد وكانت البطالة، رغم قسوة ظروف العمل بإسرائيل، ضئيلة جداً وكانت إمكانيات تحركه وتنقله بين اطراف الوطن والى الخارج شبه حرة ومع هذا الرخاء النسبي انتفض الشعب وقاوم الاحتلال الذي جرح كرامة الشعب الفلسطيني باحتلال بلده وجرح عزته باضطهاده وابى الشعب الفلسطيني الا ان يدافع عن كرامته وعن عزته.

كان الشعب الفلسطيني بكل ألوانه السياسية يقف صفاً واحداً خلف قيادته ومشروعها التحرري. العزة والكرامة التي أعطتها القيادة السورية لشعبها هي العمود الفقري الذي عليه يبنى صمود سوريا امام العدوان العالمي على كيانها ووجودها. وهي العزة والكرامة التي يقدمها الثوار والجيش اليمني لشعب اليمن ليصمد امام العدوان السعودي المدعوم أمريكياً واسرائيلياً عليه.

هذه العزة والكرامة تفتقد لها معظم الشعوب العربية الاخرى لهذا نرى القيادات الحاكمة في هذه الدول تخاف شعوبها وتعمل ليل نهار باستراتيجية “ العصا والجزره“ تارة بالاغراء بالمال وشراء الذمم وتارة بالقمع الامني – للتمسك بكرسي العرش.

شعب فلسطين الذي ما زال محاصر من دولة الاحتلال وما زال يعاني من الاضطهاد اليومي بكل اشكاله لا يقف صفاً واحداً خلف قياداته السياسية لان هذه القيادات، بألوانها المختلفة، لم تستطع اعطاءه الشعور في ربع القرن الماضي انها تدافع عن كرامته وعزته. وهي لم تحصنه داخلياً ليصمد طويلاً امام حصار الاحتلال واضطهاده.

الشعب الكوري الشمالي يعطينا مثالاً بان الشعوب معطاءة وكريمة تجاه قياداته وهي مستعدة للتضحية ان شعرت ان عزتها وكرامتها في أولويات استراتيجيات القياده.

هذا مثال علينا في الشرق العربي، شعوباً وقيادات، ان نحتذي به.

Schreibe einen Kommentar

Deine E-Mail-Adresse wird nicht veröffentlicht. Erforderliche Felder sind mit * markiert.