غزة هاشم وشهر رمضان

غزة هاشم وشهر رمضان

مقال بصفحة 73

الكاتب والمحلل والباحث السياسي رائف حسينالمانيا

منذ بداية الشهر الكريم ونحن شهداء على سيل عطاء كبير من مساعدات ومواد غذائية وهدايا يقدمها أبناء شعبنا الفلسطيني أينما تواجدوا لدعم اخوانهم في غزة هاشم في شهر رمضان. هذا العطاء وهذا السخاء وهذه النخوة تدل كلها على ان التضامن بين أبناء شعبنا الفلسطيني لم يعد مجرد موقف بل أصبح فلسفة حياة لا يغيرها بُعْد جغرافي ولا انتماء فصائلي عشائري …

نوعية وتعددية العطاء المقدم والذي نتابعه في وسائل الاعلام ووسائل التواصل الإجماعي وميزات هذا السخاء ومصدر قدومه يجعلنا جميعاً كبار وصغار فخورون بالانتماء لهذا الشعب العظيم .

في الوقتً ذاته نحن ندرك ان رغم هذا الامر الإيجابي جداً الا ان تعاطينا نحن أبناء شعب فلسطين وتعاطي العالم كله مع غزة واهلها ووضعهم هو تعاطي انتقائي جزئي موسمي…مجازاً نستطيع ان نقول ان تعاطينا مع وضع اهلنا بقطاع غزه هو تعاطي تخديري لتحمل الالم لا لاجتثاث أسباب الالم… وهنا علينا وضع الاصبع على الجرح وطرح السؤال المحق بهذا السياق، والذي ورغم كل ايجابيات ما يحصل من تضامن رائع وما يتم تقديمه من دعم سخي الا ان هذا السؤال وطرحه والجواب عليه أصبحا واجب وطني بامتياز :

كيف نخرج من موسمية الدعم وانتقائية التضامن وكيف نبدأ بمرحلة دعم البناء الذاتي بقطاع غزه للوصول الى تكافيء ذاتي مبني على مبدأ ألمساعده لبناء مساعدة ذاتية بقدرات ذاتيه ومصادر ذاتيه … باختصار علينا جميعاً ان نطرح السؤال الى متى سنستمر في مبدأ التسول والإتكال على الخارج بتقديم ألمساعده لقطاع غزه؟

قبل الإجابة على السؤال لا بد ان نسلط الضوء على بعض النقاط المتعلقة بقطاع غزه ووضعه السياسي والاجتماعي والتي لها تأثيرها المباشر على التضامن والدعم ولو بشكل متفاوت … معلومات أصبحت مع الزمن بديهيات ومسلمات يراها الجميع ويتعامل معها وكأنها مُنْزَله لا يمكن تغييرها …وأصبح الكل، فلسطيني عربي وعالمي، يتعامل مع هذه الأمور وكأنها قضاء محكم وما لأهل غزه سوى الصمود والاستغاثه والصلاه للخالق!

اولا قطاع غزه منطقه مكتثة بالسكان – هذه حقيقة اثبتها الاخصائيون منذ سنوات ولا يمكن إنكارها … لكن الحقيقة والتي اثبتها الاخصائيون ايضاً ان مساحة القطاع تساوي منطقه ميونخ بالمانيا وعدد سكان القطاع مساوي لعدد سكان منطقة ميونخ ايضاً، لكن الفارق الوحيد هو ان ميونخ يتم التعامل معها في كل مجالات الحياة، مياه وطاقة ونفايات وأماكن عمل وتعليم وصحه الخ …كجزء من مقاطعة بڤاريا …في المقابل يتم التعامل مع قطاع غزه في كل المجالات وكأنه دولة مستقله وعليها ان تسد حاجاتها لوحدها وتحل معضلات مواطنيها لوحدها …وهنا يقع الخطأ الأكبر بالتعامل مع القطاع… قطاع غزه جزء من دولة فلسطين المحتله ومعضلاته تحل من هذا المنظار فقط وضمن برامج اقليميه وعالميه ومحلية وضمن قوانين وقواعد العمل المتعارف عليها دولياً وأي تعاطي منفرد مع القطاع هو دفعه لفصل القطاع ككيان مستقل عن دولة فلسطين والجهات التي تتعامل مع القطاع من هذا المنطلق هي جهات تعمل على تجزئة أواصل دوله فلسطين وتقسيم شعبه العظيم.

ثانياً مجتمع القطاع هو مجتمع شاب – هذه ايضاً حقيقه اثبتها الاخصائيون ويراها كل متابع لواقع الحياة والمجتمع بقطاع غزه…هذه الحقيقه ليست عبء كما تم ترسيخه في الوعي الجمعي للشعب الفلسطيني والراي العام العربي والعالمي بل هو العكس تماماً ان تَم التعامل مع هذه الطاقة البشرية والعلميه بنظرة ايجابيه وفتح لها إمكانيات العطاء المهني والابداع واعطيت لها الفرص لتحقيق ذاتها وصرف طاقاتها الهائلة بمشاريع صغيره إنتاجية وخدماتية لأهل القطاع وللعالم الخارجي بعيداً عن المحسوبية والعنصرية الفؤية الضيقة.

ثالثاً المجتمع الغزاوي هو مجتمع محافظ تقليدي- هذا واقع لكنه ليس عار وليس حجر العثرة امام تقدم المجتمع كما تصوره الأكثريه …المجتمع الغزاوي ليس تقليدي ومحافظ بصورة اكثر ودرجة اعلى من مجتمعات في جنوب المانيا والنمسا الفرق هو بالتعامل مع الواقع فقط… نحن استسلمنا امام هذا الواقع وأقنعنا أنفسنا انه سبب عدم التقدم المجتمعي والرفاهيه الحياتيه …هذه القناعه الراسخة في عقلنا الجمعي هي التي يجب ان تتغير اولاً وننفتح على ان بإمكان المجتمع ان يكون متقدم ويعيش برفاهيه وهناء اجتماعي دون ان يتنازل عن تراثه وعاداته وتقاليده.

رابعا قطاع غزه محاصر وواقع فعليا تحت الاحتلال – هذه الحقيقة تم طمسها اولاً وبدايةً بايدي فلسطينيه وتوجه فلسطيني خاطئ… وتم ذَر الرماد في عيون أهل القطاع كما ذر في عيون عموم أبناء الشعب الفلسطيني عندما سُوِّقَ لاتفاق اوسلو بانه الخلاص وان غزه ستصبح بعد سنوات قليلة هونغونغ الشرق أوسطيه … صحى شعبنا الفلسطيني وخصوصاً بغزه على واقعه المر الناتج عن اتفاقيات اوسلو متأخراً وما كاد يصحوا من هذا الأفيون الذي قدم له على انه جرعة الحياة الابدية ليجد نفسه بعد اخلاء غزه من قطعان المستوطنين وجيش الاحتلال الطاغي في سجن مزدوج … سجن الاحتلال الصهيوني الذي يُغّْلـِق على القطاع منافذ الحياة والتواصل مع أبناء شعبه في الضفة والداخل الفلسطيني والعالم الخارجي والسجن الفؤي الذي بني كإمارة حمساوية…

نعم السبب الأساسي في الوضع الاجتماعي المعقد والاقتصادي المزري في القطاع هو بالدرجة الاولى الحصار المحكم على القطاع…والسب الأساسي في تأزم هذه الحالة هو الانقسام والدواعم الأساسية لتفاقم الأوضاع هي المحسوبية والفؤية وسوء إدارة الحكم وهذه الحلقات مرتبطة مع بعضها البعض ولا يمكن لعاقل ان يختزل الأمور بانتقائية لتوصيف الأوضاع في القطاع … التهرب من الواقع والحقائق واختزال أسباب التدهور في القطاع بالاحتلال فقط هو تهرب من مواجهة الحقيقة وتهرب من مسؤولية الإجابة على اسألة حرجة تتعلق بالنضال والصمود والمسؤولية الوطنية والمحاسبة والاداء السياسي الخ…

النقاط الاربعه تبدوا للوهلة الاولى بعيده عن عنوان المقال وبيت القصيد لكن بنظرة وأسعة خارج نطاق التامل المعهود وحدود التعامل مع الواقع سوف نرى ان الامر مختلف جداً … الدياليكتك القائم على ان غزة خاليه من التواجد الفعلي لجيش الاحتلال لكنها راس الحربة في النضال ضد الحصار والطغيان الصهيوني … وايضاً غزه هي المنطقة الأكثر فقراً وبها اعلى نسبة بطالة في فلسطين المحتله لكن هذا لم يثني أهل غزه عن النضال والصمود كما نتابعه في الضفة الغربيه …كما وان قطاع غزه رغم صعوبات الحياة اليوميه الا انه بين فترة وآخرى يشحن الشعب الفلسطيني بالامل والقوه بصموده ونضاله وعناده رغم كل الصعوبات الاجتماعية والاقتصادية والسياسيه التي يواجهها … ‏بكلمة أخرى هنا نرى أن تركيبه المجتمع الغزاوي رغم الفقر والبطالة ورغم أن هذا المجتمع محافظ وتقليدي و محاصر من كل الجهات إلى أن هذا لم يؤثر عليه ويثنيه أبدا بأن ينظر الى الأمام ويناضل من أجل وضع افضل وهو يتعامل مع الواقع لتغييره رغم النقاط الاربعه التي ذكرتها…شعبنا بغزه يعمل كل ما بوسعه لتغيير واقعه الاقتصادي والاجتماعي والسياسي …لمساعدته على تحقيق مشروعه لا تكفي أصوات التضامن بين حين وآخر رغم أهميتها… ولا تكفي حملات الدعم المتقطعة والانتقائية احيانا رغم الحاجة لها …ولا تكفي موسمية الوقوف الى جانب غزه بعد كل حرب أو مجزرة يقوم بها الاحتلال رغم الحاجة الملحة لهذه المواقف الشريفة…ما تحتاجه غزة شعبا ومجتمعاً هو دعم وتضامن مستمر ودائماً ليقوم بنقلة سياسية واجتماعية واقتصادي كبيره تزيد بِنَا جميعا الفخر والعزه بأهل غزة هاشم …

سؤالي في البداية كان اكثر نداء وصرخة للتعامل الواقعي مع الوضع بغزه بعيداً عن تقاليد الماضي واليات العمل المهترئه وبعيدا عن التسول للاطراف الاخرى غربية كانت أم عربية …انا على قناعة تامة بأن أبناء شعب فلسطين يملكون الإمكانيات الذاتية والموضوعية لحملات تضامن ودعم مستمرين مع قطاع غزه ليس فقط لترسيخ صمودهم في غزة هاشم ودعم نضالهم ضد الحصار والطغيان بل لمساعدتهم ايضاً على الخروج من أزماتهم الحياتيه والبنيوية الاقتصادية والاجتماعيه بقوتهم الذاتية وبقدراتها العلمية والمهنية… واساقدم هنا مثاليين عمليين بسيطيياً لإمكانيات بناء حملات تضامن ودعم مستمرين مبنيان على المبدأ الفلسطيني الفلاحي البسيط „ما بحك جلدك الى ضفرك“ …نستطيع بعد سنوات قليلة من ان نرى أمامنا قطاع غزه مختلف تماماً عما نراه الْيَوْمَ .

الفكرة الاولى – تعداد الشعب الفلسطيني بالعالم حوال 12 مليون انسان. اذا افترضنا ان نصف هؤلاء من اصحاب الدخل المحدود جداً ولا إمكانية لهم لتقديم ألمساعده لأحد… بقي اذا ستة ملايين فلسطيني اخرون ولنفترض ان ثلث هؤلاء اصبح بعيداً، روحا وفكراً، عن فلسطين ولَم يعد يهمه امر فلسطين ولا شأن اَهلها …فبقي عندنا أربعة ملايين فلسطيني… ولنقل ان ثلاثة ارباع من تبقى لا يثق بالاحزاب والسلطات والمؤسسات في فلسطين وتجربته بالماضي سلبية جداً وهو يريد ان يقدم ألمساعده لكنه يغشى المحسوبية والاختلاس … فبقي مليون فلسطيني يريدون ان يقدموا ألمساعده وعندهم الإمكانيات للتقديم …لو افترضنا ان كل واحد منهم خصص دولاراً واحد كل يوم لدعم أبناء شعبه في غزه لوصلنا الى مبلغ وقدره 365 مليون دولار سنويا … (مليون انسان * دولار باليوم* 365 يوم) … بهذا المبلغ نستطيع سنوياً تقديم قروض بدون فائده لشباب وشابات بافكار صانعيه وخدماتية جديده يودون تصنيعها وتقديمها بغزه اضافة الى مساعدات للعائلات المنكوبه لترميم وتجديد بيوتها ومساعدات وقروض للفلاحين لتطوير الزراعة ورفع مستوى الانتاج للمساعده للوصول للاكتفاء ذاتي في المنتوجات الزراعية والحيوانية المتاحة بالقطاع اضافة الى ذلك يمكن توفير المبالغ للقطاع الصحي والخدماتي من مياه ونفايات الخ…

الفكرة الثانيه- في كل سنة يقوم اكثر من عشرين الف فلسطيني بالذهاب الى السعودية لتأدية الحج والعمرة وهناك تصرف مبالغ طائلة تستلم منها دولة ال سعود القسط الأكبر وتصرفه على البذخ لامراءهم في اوروبا وأمريكا وتشتري به السلاح لقتل المسلمين في اليمن وسوريا ودعم الارهاب العالمي وخصوصاً في العالم الاسلامي… والقسم الاخر يناله سماسرة الدين وتجار الحج …في الوقت ذاته يعيش أبناء شعبنا في ظل اوضاع مأساويه غير انسانيه في قطاع غزه…وهنا يطرح السؤال نفسه: هل هذه مشيئة ربنا ان نعطي اموالنا لمجموعه تقتل به المسلمين بالوقت الذي يحتاجه مسلمون من أبناء جلدنا للقمة العيش والمأوى بكرامة؟ انا على يقين تام ان الخالق الذي نذكره في مل صلاة بالرحمن الرحيم انه متسامح وغفور ان تنازل الحجاج من فلسطين عن الذهاب الى السعوديه مقابل تربعهم بالمبلغ لابناء شعبهم المحتاجين … واستغرب ان أئمة وفقهاء وعلاماء فلسطين الذين يأمرون بملاحقة مفطر رمضان واعتقاله وهمهم بفتواتهم اللباس الشرعي والطقوس لم يفتوا بأحقية التبرع باموال الحج لابناء شعبهم بدل من إعطاءها لأمراء السعوديه لصرفها على البذخ والكحول والدعاره في اوروبا وتوظيف هذا المال لقتل أبناء اليمن الأبرياء ؟

مصروف الحاج الواحد تصل في اقل الحدود الى 5000 دولار في كل زياره … اَي ان المبلغ الذي يصرفه الفلسطينيون على الحج والعمرة كل سنه يصل على الأقل الى مائة مليون دولار سنوياً …(20000 حاج* 5000$) … مبلغ عظيم جداً نستطيع بالسنة الاولى تزويد عشرة آلاف بيت بالطاقة الشمسية لحل مشكلة الكهرباء أو إقامة ثلاث مراكز لتنقية مائة المجاري لاستعمالها للزراعة بدل ان تلوث الميتة الجوفيه في القطاع.

في قطاع غزه يعيش أبناء شعبنا في اوضاع غير عاديه وغير طبيعية ولَم يعد التسول من اوروبا والتضامن الموسمي يفيد لتغيير الأوضاع بشكل ملحوظ … شعب فلسطين العظيم لا يحتاج مساعدات احد كل ما يحتاجه هو ان يقف كله في صف واحد ويعمل يد بيد من اجل حياة كريمة وصمود دائم ونضال ناجح لابناء شعبنا البواسل في غزة هاشم …في اوضاع غير عاديه نحن بحاجة الى أفكار واستراتيجيات غير عاديه بعيده عن الموسمية والانتقائية …مصلحة الشعب فوق كل المصالح …هذا يجب ان يكون شعارنا الوحيد وهذه يجب ان تكون استراتيجيتنا الوحيده.

Schreibe einen Kommentar

Deine E-Mail-Adresse wird nicht veröffentlicht. Erforderliche Felder sind mit * markiert.