علينا ان تتفوق على عدونا بالاخلاق

علينا ان تتفوق على عدونا بالاخلاق

مقال بصفحة 29

رائف حسين- المانيا

 بداية أوَّدُ الاعتذار من المرحوم البروفسور أدوارد سعيد على استعارتي لعنوان المقال. هذا العنوان كان بداية لمقال نشره المرحوم في الانتفاضة الثانية بعد ان عج النقاش في الرأي العام كما في الداخل الفلسطيني حول جدوى العمليات الاستشهادية ومنفعة هذه „الاستراتيجية“ للنضال الفلسطيني. نحن الان وبعد أسابيع قليلة من اندلاع الانتفاضة الثالثة – انتفاضة الاستقلال والكرامة – نجد أنفسنا امام نقاش مشابه وان كان بسياق واجندة اخرى الا انه مهم ومشابه لتلك الحالة ولا بد لنا ان نطرح على أنفسنا السؤال الواضح والصريح عن استراتيجيتنا الحالية وأهدافنا المتوخاة من هذه الاستراتيجية ومن هذا التحرك العظيم.

المٓشاهِد التي نراها يوميا من إعدام لشباب واطفال فلسطينيين والتنكيل في جثثهم من قبل جنود الاحتلال وقطعان المستوطنون المسعورة وتصريحات قياداتهم السياسية المشبعة بالعنصرية والعداء يثير الدم في الشرايين ويغيظ حفيظة كل إنسان به شعور. وانا شخصياً اتفهم، وان كنت على خلاف معهم، طلب الشباب المنتفض بالتسليح لحماية اطفالنا والرد على عنجهية ووحشية الاحتلال. كما وأتفهم نداءات مجموعات عديدة من ابناء شعبنا الموجهه لفصائل المقاومة والاجهزة الأمنية بالطلب بان تنخرط هذه الأطراف أيضاً بأسلحتها في التصدي لإجرام الدولة الصهيونية تجاه شعبنا. في مثل هذه الحالات وهذه المواقف يُسَّيٓر القلب الانسان ويغلق الطريق على الحكمة والعقل. وهذا امر طبيعي جداً، الا اننا في معركة تحرير وطني تُقرر مستقبلنا وتُطْبٓع في تاريخنا. هذه المرحلة تحتاج للعقل والحكمة والتدبير اكثر من حاجتها لفوران الدم “ وفشة الخلق“ وسيطرت العواطف على الحكمة. الان مطلوب وضوح بالرؤية والموقف تجاه الهدف الاسمى.. التخلص من الاحتلال.. باختصار ما مطلوب الان هو برنامج سياسي لعموم الحالة الفلسطينية يسند الانتفاضة الشعبية ويدعمها ويغلق الباب على مغامرات سياسية لهؤلاء الذين لا يؤمنوا بقوة الشعب واصراره على احقاق حقوقه الوطنية. الان حان وقت تحكيم العقل والفطنة وانتهاج سياسة تحرر وطني حقيقية بديلا لسياسة الخضوع لإملاءات الدول المانحة التي ادخلت الحالة الفلسطينية الى مأزق يصعب الخروج منه . ان الاوان للخروج من قمقم ردة الفعل التي اغرقتنا في بحر الآمال السرابية. في هذا السياق أودّ ان اثمن مبادرة الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين التي أطلقها أمينها العام الرفيق نايف حواتمه والتي تدعوا كل فصائل المقاومة من وطنية واسلامية للجلوس على طاوله مستديرة لحوار وطني صريح وصادق للنهوض بالحالة الفلسطينية واخراجها من المأزق التي تراوح به منذ سنوات طويلة وتستجيب للواقع الجديد في فلسطين المحتلة.   

الشباب الفلسطيني المنتفض بادر لمواجهة الاحتلال والظلم وبادر بوضع حد لما سميَّ زوراً مفاوضات سلام وصرخ عاليا امام عجز القيادة الفلسطينية عن مواجهة الواقع في فلسطين المحتلة وعجزها الداقع عن إيجاد الاجوبة المناسبة لهموم ومشاكل الشعب السياسية والاجتماعية والاقتصادية وطموحه للاستقلال والخلاص من الاحتلال الصهيوني. 

قيادات الاحتلال الصهيوني السياسية والعسكرية لا تعمل تلقائياً ولا تقوم بطرح برنامج سياسي ارتجالي كما عودتنا علية القيادات الفلسطينية لعموم اطياف الشعب الفلسطيني. السياسه الصهيونية تجاه شعب فلسطين وأرض فلسطين تتبع برنامج سياسي مدروس ومحكم وطويل الامد يرى في ضمنه ليونة في التكتكيك ومثابرة بمتابعة الاستراتيجية. هذا البرنامج قامت بوضعه وتنقيحه وتطويره لجان استشارية مختصة بعد دراسات مطولة للوضع في الإقليم عامةً وفي فلسطين خاصةً ومن حين للاخر يتم تطويره وتعديله. وهنا ليس من شأني ان أقيم نجاعة برامجهم وخططهم او عدمها ضد شعبي ووطني، بل علي استخلاص العبر من هذا الواقع الذي اغلقت قيادة الشعب الفلسطيني عيونها عنه سنوات عمداً وعن وعي كامل، واستبدلت استراتيجية التحرر الوطني باستراتيجية “ بناء مؤسسات الدولة تحت الاحتلال“ التي لاقت فشلاً ذريعاً وآلت الى تقسيم الوطن سياسياً وجغرافياً واقتصادياً واجتماعياً. ونحن في حالتنا الفلسطينية علينا الان، قبل فوات الاوان، ان نستنتج العبر من تجارب الماضي على مدار العشرين سنة الماضية وخصوصاً تجارب الانتفاضة الاولى والثانية وتجارب التأرجح السياسي بين المانحين ومتطلباتهم ودغدغة العواطف الوطنية عند الشعب الصامد.    

 التاريخ العالمي لا يعرف حركة تحرر وطني انتهجت استراتيجية واحدة لوصولها الى التحرر من الاحتلال وانتهاك الحقوق الوطنية لشعوبها. حركات التحرر التي نجحت بتحرير ارضها وشعبها من نير الكولونيالية والاستغلال مثل فيتنام وإفريقيا الجنوبية وشعوب أمريكا اللاتينية انتهجت استراتيجيات مقاومة مختلفة تتجاوب مع مرحلة النضال وتتطابق مع قدرة الشعب على تحمل العناء وقدرته على العطاء ودعم قوى الثورة. في حالتنا الفلسطينية تم في ستينات القرن الماضي رفع شعار الكفاح المسلح لدحر الاحتلال وتبنت كل قوى الثورة هذه الاستراتيجية وتنافست فيما بينها حول تطبيق هذه الاستراتيجية ونُعِتٓ لاحقاً، مٓنْ طلب تعديل الاستراتيجية او تطويرها بالمتخاذل وألقيت عليه عباءة المستسلم.. 

بقيت الاستراتيجية على حالتها ولم يتم تطويرها رغم ان الواقع الاحتلالي تغير والعامل الذاتي والاقليمي تغيرا أيضاً وانقلب الكفاح المسلح الى “ طخطخة “ وعرض عضلات ومنافسة فصائلية لدغدغة مشاعر الشعب ليس الا. 

الشباب الفلسطيني المنتفض فرض اجندة كفاحية جديدة ناجعة لمقارعة الاحتلال وكسب الرأي العالمي وتعاطفه مع طلبات الشباب الوطنية الصادقة. الكرة الان في ملعب القوى السياسية الفلسطينية من وطنية واسلامية، اما ان تستجيب للواقع الجديد وتستمع لنداءات الشارع وتقدم برنامج نضالي سياسي جديد يستند على وحدة الصف والخندق والطرح السياسي وينهي مسرحية اوسلو مؤسساتياً وخطابياً وإلا ستكون هذه القوى دون استثناء المسؤولة عن تدهور الحالة الفلسطينية واندثارها وتركها لتلاعب المغامرون والمتسلقون بمصير قضية الشعب الفلسطيني باكمله.  

Schreib einen Kommentar

Deine E-Mail-Adresse wird nicht veröffentlicht. Erforderliche Felder sind markiert *