عبثية المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية

عبثية المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية
مقال بصفحة 16
رائف حسين – المانيا

في مقالات سابقة أوضحت للقارئ حرج الموقف الفلسطيني وصعوبته وأسباب فقدان البوصلة السياسية لقيادة الشعب الفلسطيني. كما وأكدت مراراً أن للشعب الفلسطيني عمودا قوة  لا ثالث لهما في صراعه مع المحتل وفي ظل التطورات الاقليمية والعالمية وهما:  إرادة الشعب الفلسطيني ووحدته.
من أهم فنون ادارة الصراعات السياسية والتي يتقنها كل سياسي مبتدئ، أن تتحصن القيادة السياسة لشعب ما بأعمدة القوى التي تتيسر لها قبل ان تخوض معارك سياسية مصيرية والا يصبح التحرك اما استسلاما وبيعا للمصالح الوطنية او انتحارا سياسيا رخيصا.
القيادة الفلسطينية برئاسة الرئيس محمود عباس لا تترك فرصة الا وتشدد انها متمسكه بكل ما اوتيت من قوة بالمفاوضات مع الاحتلال. هذه القناعة الخاطئة المبنية على فرضية „ضغط حكومات الغرب على الاحتلال“ لم تهتز رغم كل افعال الاحتلال المشينة ضد الشعب الفلسطيني ووطنه المغتصب على مدار العقدين الماضيين.  استيطان، سلب اراضي، قتل وارهاب يومي، اعتقال وتصفية قيادات، هذه فقط عينة بسيطة من المصطلحات التي يمكن لنا بها وصف مرحلة المفاوضات العبثية. وفي نهاية المطاف اصبحت المفاوضات وما تفرخ منها من سلطة فلسطينية مدعمة بالتنسيق الامني ورقة التوت التي تغطي عورة الاحتلال ليس الا.
ان الاوان لفتح صفحة جديدة باستراتيجية واضحة لدحر الاحتلال.
المفاوضات الفاشلة من جهة والطخطخه العبثيه من جهة اخرى والتمسك بهما من اطراف الفصائل الفلسطينية المختلفة انما هو هروب من استحقاقات المرحلة وتهرب من ايجاد اجوبة ملائمة للحالة الفلسطينية المتأزمة. فالقيادة الفلسطينية فشلت باستغلال الواقع الفاشي لدولة الاحتلال والتفكك الذي ينوط بالمجتمع الاسرائيلي للبدء بهجوم سياسي مدعوم بكفاح شعبي ضد الاحتلال وسياسته.
فصائل المقاومة الفلسطينية من اقصى يسارها الى اقصى يمينها رحبت بالنظال الشعبي وتغنت ببطولات قريتي بطرس وبلعين وغيرهما من القرى التي تتصدى منذ سنواللاحتلال باجساد ابناءها وبناتها، مسطرة بذلك ملحمة نضال جديدة في تاريخ المقاومة الفلسطينية والتي لاقت تعاطفا هائلا لدى الرأي العام العالمي يشبه ذلك التعاطف والتفهم للحالة الفلسطينية في فترة الانتفاضة الاولى قبل ان يتم تقديم انجازاتها قربانا على مذبح البيت الابيض. الفصائل الفلسطينية، اسلامية ووطنية مجتمعة لم تقدم سوى القليل الذي يذكر لدعم النظال الشعبي وبقيت خطاباتها الرنانة جميعها حبرا على ورق!
حركات التحرر العالمية من فيتنام الى جنوب افريقيا ادركت اهمية رسم استراتيجيات نضالية وسياسية تلائم كل مرحلة من مراحل النضال. هذه الحركات نجحت في نضالها ضد الاستعمار والاحتلال لاتقانها معادلة الهجوم السياسي الُمطعم بدعم النضال الشعبي والكفاح المسلح كل في وقته، وليس بعفوية نضال قاتلة كتلك التي تسير عليها فصائل المقاومة الفلسطينية في السنوات الاخيرة.
اليسار ممثلا بالجبهتين الديمقراطية والشعبية وكذلك تيارات الاسلام السياسي ما زالوا متمسكين بالكفاح المسلح تاركين حلقة النضال الشعبي رغم علمهم ان الكفاح المسلح لم يعد الا افيونا لتهدئة خاطر الشعب ودغدغة عواطفه. والسلطة الفلسطينية وضعت كل بيضها في سلة المفاوضات العبثية رغم علمها انها مضيعة للوقت وللشعب ولقضيته ومكسب رابح جدا للاحتلال ليستمر ببرنامجه الاستعماري في فلسطين التاريخية.
يتبين جليا افلاس السلطة الفلسطينية سياسيا بتركها المكاسب التي كان بالامكان جنيها من الاعتراف الاممي بدولة فلسطين عضوا مراقبا في الامم المتحدة وفرقعة هذه الذخيرة الثمينة في تكتيكات عباسية فاشلة، ومقايضة الدخول في مفاوضات كسب الوقت للاحتلال مقابل اطلاق بعض اسرى الحرية او التجميد المؤقت الكاذب للاستيطان، كل هذا ليس الا شهادة على فقدان البوصلة والربان في المركب السياسي الفلسطيني.
نجحت القيادة الصهيونية في العقدين الاخيرين  وبغطاء المفاوضات العبثية باقناع الرأي العام العالمي بان حق العودة الفلسطيني سيعني انهاء وجود „دولتهم اليهودية“ ونجحت ايضا بادخال القيادة الفلسطينية في دوامة الارقام قبل الخوض في صلب القضية وفتح المحادثات على اسس متينة. ان السؤال حول من ومتى يحق له العودة تضمنه الاعراف والقوانين الدولية وهو ليس موضوع نقاش في بداية المحادثات. كان على القيادة الفلسطينية ان تطالب بداية وقبل كل شيء بان تعترف الدولة الصهيونية ومعوانيها من الدول الاستعمارية بمسؤوليتهم التاريخية عما حل بالشعب الفلسطيني من كارثة. بعد هذا الاعتراف يبدأ النقاش حول كيفية تحقيق العودة للمهجرين ولذويهم وتبدأ نقاشات الارقام. الطرح الصهيوني عن „الخطر الديمغرافي“ هو ألعوبة كان وما زال كشفها اسهل الامور ولا يعرف اي شخص لماذا لم تستغل القيادة الفلسطينية هذه الورقة الرابحة. يكفي هنا ان تطالب السلطة الفلسطينية بان تسمح اسرائيل بعودة  الثلاثمائة لاجئ ونيف اللذين يقطنون في الدولة اليهودية . هؤلاء اللاجئون هم مواطنون قسرا في الدولة الصهيونية وعودتهم الى قراهم التي هجروا منها وما زالت معظم اراضيها مشاع لا ئؤثر ولا تغير في البنية الديمغرافية لاسرائيل. والاجدى من هذا كله ان تدرك القيادة الفلسطينية ايضا ان بعض اللاجئين الفلسطينيين في الاراضي المحتلة عام 1948 نجحوا بانتزاع حق عودتهم امام القضاء الصهيوني، الا ان الحكومات الصهيونية ترفض منذ عشرات السنين تنفيذ قرار جهازها القضائي! فلماذا اذا تصون السلطة الفلسطينية عورة „الديمقراطية“ الاسرائيلية ولا تفضحها في المحافل الدولية؟
الاجابة على هذا السؤال سهلة جدا: السلطة الفلسطينية افلست سياسيا وما عليها الا ان تقدم استقالتها وتعيد ملف القضية الوطنية الى الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وهو م.ت.ف. وان تعيد المسؤوليات الحياتية لمواطني فلسطين المحتلة لأيدي الاحتلال. فقط هكذا وبخطوة الى الخلف تستطيع القيادة الفلسطينية رؤية الواقع بوضوح ورسم استراتيجية نضالية وسياسية جديدة لدحر الاحتلال.
حل السلطة الفلسطينية الان هو الحل!!!

Schreibe einen Kommentar

Deine E-Mail-Adresse wird nicht veröffentlicht. Erforderliche Felder sind mit * markiert.