تأملات في كيماويات سوريا وسيناريو الاحداث

مقال بصفحة -11
بقلم رائف حسين*
تأملات في كيماويات سوريا وسيناريو الاحداث

 كثر في الايام الاخيرة الحديث عن امكانيات تدخل عسكري غربي بسوريا بمساعدة قوى اقليمية. الذريعة التي يتخذ منها منفذ لهذا الحديث ولتعليل الضربة العسكرية القادمة هي الهجمات البربرية الاجرامية البشعة باسلحة كيماوية التي جرت في ريف دمشق قبل ايام وراح ضحيتها مئات الابرياء. قبل الدخول بتمحيص الحدث وردات الفعل عليه من مختلف الجهات لا بد ان أوكد على انه وحتى كتابة هذه الاسطر لم ياتي اي طرف من اطراف الصراع بحجج مثبتة لادانة الطرف الاخر وتحميله مسؤولية العمل الاجرامي. الكل يتكلم عن براهين واثباتات بحوزته، لكن البرهان العيني الواضح لم يتم عرضة على الاعلام حتى الان. الغريب بالامر ان اعداء النظام ومن دعمهم من قوى غربية وانظمة اقليمية اصر ومنذ الدقائق الاولى بعد نشر الخبر عن العمل المشين على التأكيد بان النظام السوري وجيشه هو الذي قام بالهجوم الكيماوي وان العقاب يجب ان يكون بتدخل عسكري مباشر للقوى الغربية. حسب اعتقادي انه، وبغض النظر عن وجود اثباتات تدين النظام ام لا، فان ضربة عسكرية لسوريا، بالارجح فقط جوية وبحرية صاروخية، اتية وامكانيات تداركها تقل كل ساعة. هذا السيناريو الذي نتابعه منذ ايام لم ياتي من فراغ، وهو مدروس ومخطط له منذ زمن بعيد. تصريحات بعض السياسيين الغربيين المستميتين لضربة عسكرية، حتى قبل ان بدأ فريق الخبراء الاممي بالتحقيق بالحدث، تأكد ان هؤلاء لم يتعلموا من اخطاءهم الماضية عندما انجروا للحرب الباطلة على العراق وهم مستعدون مرة اخرى للقتل والدمار دون ادانة. هؤلاء مستعدون ايضاً ان يدوسوا بالاقدام مبادئهم بعدالة القضاء القائلة ان المتهم بريء حتى اثبات إدانته!
ومن الحق طرح سؤال واضح: امير الفقاعات الكلامية، اوباما، قال ان استعمال السلاح الكيماوي خط احمر! اخلاقياً لا غبار على مثل هذا الموقف، لكن لماذا التهديد فقط للنظام؟ وماذا يا ترى لو اثبت الخبراء الامميون ان اعداء النظام هم من استعمل السلاح الكيماوي؟ هل سيرسل اوباما سلاحه الجوي لضرب جبهة النصرة واتباعها؟ او هل سيتم معاقبة الجهة التي زودتهم بالكيماوي؟ دون البدأ في التسويق لنظريات التأمر، التي تملأ اعلامنا وافكارنا بالشرق، الا انه اصبح واضح للجميع ان وراء كل هذه الزوبعة مخطط كامل لبناء شرق اوسط جديد على المقاس الامريكي والتسارع لتحقيق هذا المخطط زاد بعد الفشل الذريع للاخوان المسلمين في كل من مصر وتونس. واحدى الاعمدة الاساسية لهذا المخطط هي كسر الهلال الشيعي بقيادة ايران الممتد من باكستان وحتى لبنان. والكل يعلم بان النظام بسوريا وحزب الله في لبنان هم العمود الفقري لهذا الهلال والذي تعتبره كل من اسرائيل والانظمة الوهابية وامريكا خطر على مصالحها بالشرق الاوسط. الضربة العسكرية لسوريا ستكون ايضاً ضربة لايران وحزب الله على السواء. ضربة عسكرية للنظام سوف تعيد التوازن بعض الشيء على الساحة السورية، بعد ان سجل النظام انتصارات هامة على الارض ودحر اعداءه من مواقع اساسية. وهي ايضاً انقاذ للتفكك المتسارع لجبهة اعداء النظام، التي تبين في الاشهر الاخيرة الفروق الشاسعة لاهداف ونوايا ومخططات كل طرف من اطرافها. وهي دون شك محاولة من داعمي اعداء النظام لاخماد النقد الموجه لهم من كل الاطراف لتزويدهم للمسلحين باسلحة متطورة وهم على يقين بان جبهة النصرة التي بايعت القاعدة علنا والحركات الجهادية الاخرى هم اكبر المستفيدون من اسلحة الغرب. التدخل العسكري بسوريا سيخلط الاوراق من جديد قبل الذهاب الى جنيف. وهذا بشانه سوف يسهل دون ادنى شك المهمة السعودية لانهاء الملف السوري قبل نهاية السنة كما تعهد الامير بندر لحلفائه في زياراته المكوكية قبل اسابيع للعواصم الغربية. التدخل العسكري في الشأن السوري يخدم ايضاً مصالح قوى اقليمية حليفة للغرب وركائز اساسية للشرق الاوسط الجديد. تركيا على سبيل المثال تعثرت بوصلتها السياسية في الاونة الاخيرة ،واصبحت شبه معزولة بعد ان ساءت علاقتها مع كل من مصر وايران والسوق الاوروبية واسرائيل والولايات المتحدة. وهي تبحث لها عن مخرج لعودتها الى الساحه السياسية الاقليمية والعالمية لعلمها ان وضع تركيا الاقتصادي مرتبط بجودة علاقاتها السياسية الخارجية. مشاركتها العسكرية الى جانب الغرب ضد سوريا يفتح لها ابواب ترطيب الاجواء مع الغرب على الاقل. وعودتها للساحة السياسية. السعودية التي تعمل كل ما بوسعها لجر الغرب لحملة عسكرية ضد النظام السوري تدرك انه بغياب القوى الاقليمية الاخرى – مصر تركيا العراق وايران- يفتح لها المجال للعودة الى لعب الدور الاساسي في الشرق الاوسط ويضمن لها دور قيادي في ترتيب المنطقة بعد الازمة وهو دور تقمصته دول اخرى بالمنطقة لسنوات طويلة. الخاسر الوحيد في هذه اللعبة هو الشعب السوري العريق االذي سيدفع الثمن الغالي لمغامرات ولاخطاء بعض السياسيين. الرابح الوحيد هم القوى السلفية الرجعية واتباعهم في المنطقة فهم سيزدادون قوة وقناعة بالذات ومعظمهم سوف يكمل رحلتة التي بداها في افغانستان عبر العراق الى سوريا وبقي السؤال عن المحطة القادمة لهؤلاء الذين عينوا انفسهم ممثل الله على الارض؟
* مدير معهد الدراسات الاستراتيجية للشرق الاوسط – هانوفر/ المانيا

Schreibe einen Kommentar

Deine E-Mail-Adresse wird nicht veröffentlicht. Erforderliche Felder sind mit * markiert.