الرئيس الفلسطيني بين صفقة العصر وصفعة التاريخ

الرئيس الفلسطيني بين صفقة العصر وصفعة التاريخ
مقال بصفحة 71
الكاتب والمحلل والباحث السياسي رائف حسين- المانيا

تصريحات السفير الامريكي لدى اسرائيل فريدمان حول إمكانية تغيير الرئيس الفلسطيني ان لم ينصاع الى أوامر الولايات المتحده ويقبل بالدخول بمحادثات مع دولة الاحتلال حول ما تم تسميته باسم هولودي بامتياز „صفقة العصر“ هي تجسيد لسياسة الكاوبوي الامريكي ونتيجة حتمية للسياسة الرسمية الفلسطينية في العقدين الاخيرين وخصوصاً منذ ان اعتلى الرئيس محمود عباس كرسي الرئاسة في المقاطعة برام الله.

التصريح ذاته ومحاولة سحب التصريح لاحقاً أو التوضيح بانه تم اقتباس التصريح بطريقة خاطئة، كلها سيناريو واحد مُحكم للوصول الى هدف واحد واضح: زيادة الضغط على الرئيس محمود عباس والتلميح له بان „كعبة سياسته“ هي البيت الأبيض …هناك يقرر المسار والهدف وهناك ايضاً توضع الأهداف التي على الآخرين الوصول اليها وفق ما تم رسمه لهم…والانصياع للأوامر الامريكية يعني البقاء بالحكم والتعند يعني التنحي… ولكم الاختيار!

أتى تصريح فريدمان متزامن مع تصريح ترامب حول الخروج القريب للقوات الامريكية من سوريا…هذا لم يكن من محض الصدفه بل يحتوي بضمنه رسالة هامة لكل من روسيا وإيران والانظمة العربية وعلى الجميع الانتباه لهذه الرساله وتداعياتها بعد ان اصبح واضحاً ان مشروع المقاومة في سوريا اصبح قاب قوسين أو أدنى من الانتصار الكامل وتثبيت حلف المقاومة طرفاً له ثقله السياسي والعسكري امام حلف التخاذل العربي بقيادة السعودية في رسم مستقبل الإقليم.

الولايات المتحده ارادت بتصريح فريدمان ان تؤكد بانها تمسك بيدها الورقه الاقوى والاهم عربياً واسلامية لترتيب الإقليم…الورقه الفلسطينيه…وان انتصار ايران بتثبيت نفسها كقوه اقليميه أساسية وعودة روسيا لاعبا مهماً ومركزياً على مستوى العالم وعلى مستوى الإقليم لا يعني ان امريكا ستترك لهم الساحه كاملةً وتنسحب. كما وأنها تقول ان ما زال بيدها أوراق رابحه ستوظفها في المستقبل لتضمن لها ولحلفائها موقعاً مركزياً بالإقليم وتضمن به أمن اسرائيل ومكانتها العسكريه.

الرساله الامريكيه بشقيها الفلسطيني والسوري أتت من موقع ضعف وليس من موقع قوه. الرسالة أتت الىى طمأنت الحلفاء الهزل. الولايات المتحدة خسرت في انقلاباتها في العالم العربي وخسرت الحرب مع حلفاءها بسوريا وخسرت معركتها مع ايران وظهر للعيان عجز حلفاءها السعوديون في اليمن والاتراك في سوريا والعراق والأكراد في سوريا والعراق أيضاً وهم يدركون ان المعركة القادمة بالإقليم ستكون اسرائيل الطرف الخاسر بها…هذا السيناريو يبرر لنا التصرف الانتحاري للسياسة الخارجية الامريكيه بالمنطقه.

حاول ترامب بمشروع „صفقة العصر“ ان يستدرج الرئيس محمود عباس لحل للقضية الفلسطينية ويضمن من خلالهلامريكا وإسرائيل وحلفاءهم العرب موضع قدم في تركيبة الإقليم الشرق أوسطي المتجدد مستغلاً ضعف الرئيس الفلسطيني جراء الانقسام وضعف حماس بعد سياسة الرقص على الحبل خلال وبعد ما سمي بالربيع العربي وشبه اندثار للمعارضة الوطنية في فلسطين.

أتى تحفظ الرئيس محمود عباس على صفقة ترامب كفرملة للمشروع الأخير للولايات المتحدة في الإقليم فاضطر ترامب الى اللجوء الى التكتيك الكاوبويي لإنقاذ استراتيجيته.

وقوف الشعب الفلسطيني بكل فصائله السياسية وشرائحه الاجتماعية خلف الرئيس محمود عباس منددون بابتزاز المرجعيه الفلسطينيه وواضعون إستقلالية القرار الفلسطيني وكرامة الشعب الفلسطيني خطاً احمر امام كل التهديدات هو بصيص امل يجب ان لا يستهان به واشارة واضحة للرئيس عباس ولكل اللاعبين ان الكلمة الاخيرة لشعب فلسطين.

مسيرات يوم الارض، ايّام بعد تهديد فيردمان للرئيس عباس أتت لتؤكد مرة اخرى ان شعب فلسطين شعب معطاء وشعب يلبي نداءات قياداته السياسية ان أخذت هذه أمره على محمل الجد ووضعت له برنامج سياسي واضح واشتقت منه برنامج نضالي ملائم… الأيام الاخيرة أظهرت ان النخبة السياسية الفلسطينيه وفِي مقدمتها الرئيس محمود عباس عليهم مراجعة استراتيجياتهم وعطاءهم السياسي في الحقبة الاخيرة واستنتاج العبر الصحيحه لتستطيع القياده ومن خلفها الشعب التصدي لمشاريع الإجهاض على القضيه الفلسطينيه من قبل أمريكا وإسرائيل وحلفاءهم العرب… على الجميع ان يدقق بالاتي:

اولا ان أياً من كان فلسطينياً، فتح أو حماس أو المعارضه أو الرئيس محمود عباس، لن يستطيع احدا ان يقف لوحده امام مشاريع تصفية القضية الفلسطينيه… الانقسام الفلسطيني فتح الباب على مصراعيه لتكتيكات الابتزاز الخارجية وفقط السير قدماً في مسار تخطي الانقسام يغلق هذا الباب… الكل فصائل وقيادات والشعب بشرائحه المختلفة تكتوي ليلاً نهاراً بنار الانقسام والكل اصبح في مربع الخاسر من جراء هذا الفعل المشين…

ثانياً ان الاوان لبناء النظام السياسي الفلسطيني على أعمدة مختلفه عن تلك التي ارتكز عليها في ربع القرن الماضي… محاولات قلب معادلة النظام السياسي الفلسطيني التي بدأ بها الراحل الرئيس عرفات والتي أصبحت به السلطة الفلسطينيه ليس فقط المرجعيه الوحيدة بل أصبحت في ظل التغييب المعتمد ل م ت ف هي الجهة الطاغيه على النظام السياسي رغم انها تمثل، بحسب القانون والاتفاقات التي خلقتها، فقط ثلث الشعب الفلسطيني… يجب تجاوز هذا الخلل، الذي اصبح عبءاً على القضية والشعب، بتقاسم الوظائف بين السلطة و م ت ف…الاخيرة هي المسؤوله الوحيده عن الملف السياسي كونه شأن يخص عموم الشعب الفلسطيني في كل أماكن وجوده ومنظمة التحرير هي الهوية الوطنية الجامعة لهذا العموم وليس السلطة. السلطة الفلسطينيه تحتفظ بإدارة الشؤون اليومية الإدارية والحياتية للشعب الفلسطيني في فلسطين المحتلة عام 67 … فقط هكذا نستطيع اعادة الاعتبار للقضية الفلسطينيه باعتبارها قضية شعب من 12 مليون إنسان ونخرج من عنق الزجاجة والتقزيم الذي فرضته اتفاقات أوسلو علينا…

ثالثاً على القياده الفلسطينيه ببنياتها السياسية المختلفة ان تعي اننا نعيش الْيَوْمَ في شرق اوسط متجدد لم تكتمل بعد ملامحه النهائية لكن اصبح واضح للجميع ان زمن الحل والربط الامريكي في المنطقة قد انتهى ونحن الان امام اقليم به حليفين مختلفين بالأجندة السياسيه المصيرية لشعوب المنطقة وعلى رأسها قضية فلسطين ومختلفين بتصور مستقبل الإقليم وعلاقات دوله وشعوبه…هذا الواقع يتطلب تموضع جديد للقياده الفلسطينيه…تموضع يضع المصلحة الوطنيه فوق المصالح الفئوية والشخصية الضيقة …باختصار على القيادة الفلسطينية ان تعمل بالمثل الشعبي الفلسطيني “ ان عاشرت عاشر أمير، وان لبست البس حرير ، وان عيروك بشي يكون يحرز التعيير “ … ان أوان تحديد من هو الصديق الأمين لشعب فلسطين وقضية فلسطين ومن هو عدو القضية والشعب.

رابعاً نعم هنالك خيارات للرئيس محمود عباس من داخل فتح وعلى القيادة الفلسطينية وخصوصاً الإخوة في حركة فتح ان لا يستهينوا بهذا التهديد وخصوصاً ان الوفاء للحركة اصبح منذ سنوات هو وفاء للمعاش الشهري فقط وفقط قلة قليلة ما زالت تؤمن باجندة الحركة الوطنية …من يلوح به الطرف الامريكي هو من حركة فتح وذراعه في الحركة طويل جداً وهو يلبي طلبات الطرف الذي عَوَّلَ عليه الرئيس محمود عباس منذ توليه منصبه …لا بل اكثر من ذلك هذا الشخص تثق به الولايات المتحدة اكثر من ثقتها بالرئاسة الفلسطينيه وعلاقته بحلف امريكاً في اوروبا وفِي الإقليم أقوم من علاقات الرئيس وهو يمسك بين يديه مفاتيح حل أزمات مختلفة لم تستطيع السلطة الفلسطينيه ولا حماس حلها على مدار العشر سنوات الماضية كمفتاح معبر رفح والكهرباء وإعادة البناء والازمة المالية المزمنة للسلطة …فحذاري ان تهاونوا بهذا الطرح …المخرج من هذا المأزق ليس موجود بامريكا ولا بالسعودية… مفتاح باب المخرج موجود بيد الشعب الفلسطيني …من أراد ان يستقوي على أعداءه، واعداء القضية الفلسطينيه ليس له الا سلاح واحد…شعب فلسطين.

Schreibe einen Kommentar

Deine E-Mail-Adresse wird nicht veröffentlicht. Erforderliche Felder sind mit * markiert.