الاقليه الفلسطينيه في اسرائيل ومعضلة اللغة والهوية الكاتب والمحلل والمفكر السياسي رائف حسين- المانيا

مقال بصفحة 87
الاقليه الفلسطينيه في اسرائيل ومعضلة اللغة والهوية
الكاتب والمحلل والمفكر السياسي رائف حسينالمانيا

اللغة في أية ثقافه وأي مجتمع هي تجسيد للهوية الوطنية وركيزة هامة في الحفاظ على الإرث الحضاري لأي شعب… لهذا نرى ان كل الدول التي تحترم إرثها الحضاري وتصونه تعين هيئات علميه واستشارية للمحافظة على اللغة الأصلية وتطويرها وتجديدها تماشياً مع التطور الصناعي والمعلوماتي والثقافي بمحيطها… قلتها وأعيدها : من أراد البقاء عليه ان يتجدد ويتطور.

الشعوب، وليس فقط الاستعمارية، تصرف أموالاً طائلة لنشر لغتها وثقافتها بين الشعوب والمجتمعات الأخرى وتفتح لها مراكز ثقافيه تعلم اللغة والحضارة في كل أقطار المعمورة. هذه الخطوة تستعملها الدول الغربية كألمانيا وفرنسا وإنجلترا وإسبانيا وغيرها كوسيلة لنشر ثقافتها… وهي بشكل ما، استعمار ثقافي خفيف، رغم مردوده الإيجابي على بعض الشعوب،  والنتيجة  تعود على هذه الدول بعلماء وخبراء ينتقلون للعيش عندها وتجاره رابحه لمنتوجاتها الصناعية.

هذه الاستراتيجية راسخة في السياسات الخارجية لهذه الدول لهذا نرى ان المراكز الثقافية الغربية وتمويلها يقعان ضمن صلاحيات وزارات الخارجية لهذه الدول.

الامر يختلف تماماً عندما تكون اللغة احد أدوات الاستعمار ووسيلة ناجحة لهدم الهوية الوطنية للسكان الأصليين ليصبحوا تابعون بكل معنى الكلمة … هذا ما حصل في معظم الدول في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وبعض الدول العربية. تاثير الاستعمار الغاشم نلاحظه بوضوح كون هذه الشعوب نست بشكل سافر لغتها الأم وأصبحت تنطق غالبةً بلغة المستعمر فقط واعتمدتها كلغة رسمية لدولتها الوطنية ولغة رسمية للتعليم العالي، حتى بعد اندحار الاحتلال الاستعماري وانتزاع الحرية والاستقلال… دول شمال أفريقيا مثال صارخ على هذا الهدم المستمر للهوية الوطنيه وللهوية القوميه.

شعوب امريكا اللاتينية وشعوب أفريقيا والهند وبعض شعوب شمال أفريقيا اُجْبرت بشكل او باخر ان تعتمد لغة المستعمر ونخبها السياسية، حتى بعد دحر الاستعمار، لم  تقم باقتناص الفرصة للتخلص من العبء الاستعماري الهدام للهوية الوطنية لشعوبها … هذا الواقع عمق أزمة الهوية في هذه المجتمعات.

الامر يختلف تماماً في فلسطين المحتلة عام 48…  دولة الاحتلال الصهيوني في فلسطين التاريخية، قبل وبعد قيامها، قامت بمجازر ضد اهل البلد الأصليين لتهجيرهم واقتلاعهم من وطنهم وهذا امر اجمع عليه كل علماء التاريخ ولم يعد موضوع نقاش او انكار… وقام هذا الكيان وما زال يقوم بتزوير المعالم التاريخية والحضارية لأهل البلد الأصليين لتثبيت تزويره للتاريخ وتحريف مساره… لكنه ومنذ اليوم الأول لتأسيس كيانه على انقاض الشعب الفلسطيني لم يعمل على طمس اللغة الأصلية  لأهل البلد الذين بقوا وصمدوا على ارضهم لأسباب مختلفه … هذه حقيقة لا يمكن إنكارها.

دولة الاحتلال اعتمدت اللغة ألعربيه إلى جانب اللغة العبريه، التي تم اعادة احيائها من قبل الحركة الصهيونية بعد ان كانت قريبة من الاندثار، كلغة رسمية للدولة.

اللغة العربية بقيت اللغة الرسمية إلى جانب اللغة العبرية حتى سن قانون القومية العنصري … من إساءٓ مبدئياً ، وما زال يومياً يسيء للغة ألعربيه ومكانتها كركيزة أساسية للهوية الوطنيه في الداخل الفلسطيني  هم اهل البلد الأصليون … ابناء وبنات الأقلية الفلسطينيه في اسرائيل.   

أنا على يقين ومعرفة تامتين ان معاشرة شخص ما لثقافة أخرى بلغتها وعاداتها وتقاليدها على مدار سنين طويلة لا يمكن الا وان تترك اثرها عليه وعلى طريقة كلامه ولغته اليومية…  بعض الكلمات من لغة الأكثرية تدخل في  الكلام اليومي العادي للمجتمع الذي يعيش به الفرد عفواً…  ويصعب احيانا الانتباه لتداخل الكلمات باللغات المختلفة، لكن ما نراقبه بالداخل الفلسطيني هو تنكر معتمد للغة الأم!

كثيره ومتعددة النقاط التي يمكن ان يثبت بها المراقب تنكر اهل البلد الأصليون للغتهم الأم في الداخل الفلسطيني … وهنا لا أتكلم عن ادخال كلمة او جملة بالعبرية في سياق الحديث العام للشباب … ما أتكلم عنه هي نقاط مركزيه في الحياة التجارية والعلمية والسياسية للاقلية الفلسطينيه في اسرائيل.

اكثر من يسيء للغة الأم بالداخل الفلسطيني هي النخبة السياسية بشكل خاص والنخبة الأكاديمية والتجارية بشكل عام … هذه النخبة التي يتوقع الكل منها ان تسهر على حماية الإرث الحضاري وان تسهر على الحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية لأهل البلد الأصليين وان تكون قدوة حسنة للأجيال الشابه.

ما نراه ونراقبه منذ سبعين عام في الداخل الفلسطيني من استعمار ثقافي لغوي، اصبح اليوم مخيف وعلى العكس تماماً من ما نتوقعه… هنالك زيادة ملحوظة متعمده في استعمال اللغة العبريه في كل محفل وفي كل موقع وحتى هناك عندما لا تتدعي الحاجة لذلك.

منذ انخراط الفلسطينيون بالداخل في السياسة داخل اسرائيل لم نسمع ان احد النواب الفلسطينيون في البرلمان الاسرائيلي، الكنيست، ألقى خطبة كامله بالبرلمان باللغة العربية رغم انها لغة رسمية بالدولة… لا بل اكثر من ذلك نرى النواب الفلسطينيون يتبارون بين بعضهم البعض من هو اكثر إتقاناً للغة العبرية وكأن هذا إنجاز وطني بامتياز … حتى هؤلاء النواب الذين لم يتقنوا اللغة العبريه من أمثال جبر الداهش  وأبو ربيعه واخرون القوا خطاباتهم بلغة عبرية ركيكة رغم انهم لم يتقنوها … أنا لا اعرف حقاً ان كان هؤلاء النواب على وعي بالأذى الذي يوقعون به بالهوية الوطنية الفلسطينية لأهل البلد الأصليين بتخليهم طوعاً عن التكلم بالكنيست وبالإعلام العبري باللغة العربية!

اللغة العربية لغة رسمية بالدولة وهم ملزمون بترجمتها للغتهم … هذا الامر ليس رمزي كما يعتقد البعض… بل هو من صلب التحدي والصمود والحفاظ على الهوية الوطنية … السادة والسيدات النواب الفلسطينيون دافعوا عن اللغة العربية بالبرلمان الاسرائيلي باللغة العبرية عندما قامت المؤسسات الرسمية الصهيونية بتحريف اسماء القرى والمدن الفلسطينيه وعندما تم حذف اللغة العربية كلغة رسمية بقانون القومية العنصري … بحق نسأل أين مصداقية هؤلاء في الدفاع عن العمود الفقري للهوية الوطنية الفلسطينيه – اللغة العربية،  باللغة العبرية؟ هذا الخطأ الفادح لا يتم تجاوزه بأعمال شعبوية من قبل بعض النواب كرفع الأذان بالكنيست او الشتم باللغة العربية او رمي جملة عربية هنا او هناك خلال خطابهم بالكنيست.

الامر وللأسف لا يقتصر، كما ذكرنا، على النخبة السياسية فقط، بل يطال أيضاً نخب أخرى … في زيارتك للبلدان الفلسطينية بالداخل ترى على حائط مكتب المحامي وعيادة الطبيب ودكان صاحب البقالة وصاحب الكراج لافتات باللغة العبرية فقط… رغم ان لا زبون واحد عندهم من الوسط اليهودي… نسأل: لماذا هذا التنكر المجاني الطوعي للغة الأم والهوية الوطنية؟ ولماذا هذا التملق للسيد؟ واين المسؤولون في البلديات والمجالس المحلية الذين يتزينون بشعارات الوطنية في فترة الانتخابات، من كل هذا ؟

مقاومة قانون القوميه العنصري الذي اصبح العامود الفقري لإسرائيل الثالثة، هذه الاسرائيل التي تتباها بعنصريتها وتخشى الآخر وثقافته وتتقوقع في يهوديتها، لا تكتمل هذه المقاومة الا بتثبيت الهوية الوطنية الفلسطينيه وعمودها الفقري – اللغة ألعربيه .

 نحن اليوم مطالبون أفراد وأحزاب وجمعيات، نخبة واخرون ان نُعٓرِب فضاءنا ونجعل من إتقاننا للغة المحتل العنصري وسيلة قوة وليس خنوع العبد للسيد وثقافته.

الخطاب باللغة العربية وإجراء المقابلة الصحفية فقط بالعربية ايه الساسة والناشطون وكتابات اللافتات باللغة العربية أيها المثقفون والتجار وأصحاب المهن والتكلم باللغة ألعربيه في الساحات العامة وفي القطار وفي الباص والمطار أيها الشعب الفلسطيني بالداخل … كل هذا تحدي وصمود وليس مغالاة بالوطنية والقومية … هم أرادوا كسر عود صمودنا الفلسطيني وانتمائنا وطمس هويتنا القوميه والوطنية  بتحييد اللغة العربية ونحن جميعاً مطالبون بالبدء بالتحدي الواضح باجهارها والدفاع عنها!

كنا وما زلنا وسنبقى الناطقون بالضاض وأهل البلد الأصليون.     

Schreibe einen Kommentar

Deine E-Mail-Adresse wird nicht veröffentlicht. Erforderliche Felder sind mit * markiert.