الاقليه الفلسطينيه في اسرائيل ومعضلة اللغة والهوية
الكاتب والمحلل والمفكر السياسي ًالاستراتيجي د. رائف حسين- المانيا
تشكل اللغة في كل ثقافة أو مجتمع تجسيدًا حيًا للهوية الوطنية، حيث تُعتبر العمود الفقري الذي يدعم صمود التراث الحضاري للشعوب. لذا، نجد أن البلدان التي تقدر إرثها الثقافي وتسعى لحمايته تتخذ من الخطوات الفعالة، مثل إنشاء هيئات علمية واستشارية، لتعزيز لغتها الأصلية وتطويرها بما يتماشى مع التحولات الصناعية، المعلوماتية، والثقافية المحيطة بها. وأؤكد مجددًا أن من يسعى إلى الاستمرار والبقاء يتعين عليه أن يتجدد ويواكب التطورات.
تستثمر الشعوب، بما فيها الدول الاستعمارية، أموالاً طائلة لنشر لغتها وثقافتها بين الأمم والمجتمعات الأخرى، حيث تقوم بإنشاء مراكز ثقافية تهدف إلى تعليم اللغة والحضارة في أرجاء المعمورة. تتبنى الدول الغربية مثل ألمانيا وفرنسا وإنجلترا وإسبانيا هذا النهج كوسيلة لتعزيز ثراء ثقافتها، مما يمكن استيعابه بوصفه شكلاً من أشكال الاستعمار الثقافي الرفيع، رغم ما يحمله من فوائد إيجابية لبعض الأمم. هذه الجهود تعود بالنفع على تلك الدول من خلال جذب العلماء والخبراء الذين ينتقلون للعيش فيها، فضلاً عن تحقيق أرباح من منتجاتها الصناعية. هذه الاستراتيجية تتأصل في صميم السياسات الخارجية لتلك الدول، لذا نجد أن تمويل وإدارة المراكز الثقافية الغربية يتم تحت رعاية وزارات الخارجية لهذه الدول، مما يعكس عمق التداخل بين الثقافة والسياسة.
تتغير الصورة تماماً عندما تُستغل اللغة كوسيلة للاستعمار، مما يؤثر بعمق على هوية الشعوب الأصلية، ويجعلهم في موقع التبعية بكل أبعادها. لقد عايشنا هذا التحول المؤلم في العديد من البلدان الأفريقية وأمريكا اللاتينية وبعض الدول العربية. يظهر تأثير الاستعمار بجلاء، حيث فقد العديد من هؤلاء الناس لغتهم الأم، وأصبحوا يتحدثون بلغة المستعمر فقط، فصارت هذه اللغة هي الرسمية في بلدانهم ولغة التعليم العالي، حتى بعد انتهاء حقبة الاستعمار والاحتلال وتحقيق الاستقلال. تُعد دول شمال أفريقيا نموذجاً بارزاً لهذه المأساة المستمرة في تدمير الهويات الوطنية والقومية.
تواجه شعوب أمريكا اللاتينية وأفريقيا والهند وبعض دول شمال أفريقيا معضلة الاعتماد على لغة المستعمر ونخبه السياسية، حتى في أعقاب زوال الاستعمار. هذا الاعتماد حال دون استثمار الفرص المتاحة للتخلص من آثار الاستعمار التي تركت بصمتها السلبية على الهوية الوطنية. وبذلك، أصبح هذا الواقع عاملًا محفزًا لتفاقم أزمة الهوية في تلك المجتمعات.
في فلسطين المحتلة منذ عام 1948، تبدو الصورة مختلفة بشكل جذري. فقد قامت دولة الاحتلال الصهيوني بارتكاب مجازر بشعة ضد السكان الأصليين، في محاولة دنيئة لتهجيرهم من أراضيهم، وهو ما اتفق عليه غالبية المؤرخين، ليصبح بذلك أمراً لا يحتمل النقاش أو الإنكار. كما سعت هذه الدولة إلى تزوير المعالم التاريخية والثقافية للسكان الأصليين، لتأكيد تحريفها للتاريخ. ومع ذلك، فمنذ تأسيس هذا الكيان على أنقاض الشعب الفلسطيني، لم تستطع إزالت اللغة الأصلية لأبناء الأرض الذين صمدوا في وجه الاحتلال لأسباب شتى، وهذه حقيقة تظل ثابتة لا يمكن إنكارها.
أقرت دولة الاحتلال اللغة العربية كلغة رسمية بجانب اللغة العبرية، التي أعادت الحركة الصهيونية إحيائها بعد أن كانت مهددة بالانقراض. ظلت اللغة العربية معترفاً بها كلغة رسمية إلى جانب العبرية حتى تم إصدار قانون القومية العنصري، الذي أساء بشكل عميق إلى اللغة العربية ومكانتها الحيوية كعنصر أساسي في الهوية الوطنية للفلسطينيين الأصليين، وهم أبناء وبنات الأقلية الفلسطينية في إسرائيل.
لا يساورني أدنى شك في أن الانغماس في ثقافة أخرى، بما في ذلك لغتها وعاداتها وتقاليدها على مدى سنوات عديدة، يترك بصمة عميقة على الفرد وطريقة تعبيره ولغته اليومية. تتسلل بعض الكلمات من لغة الأكثرية بسلاسة إلى قاموس حديث المجتمع الذي ينتمي إليه الفرد، وغالبًا ما يحدث ذلك دون أن نلحظه. لكن ما يثير الدهشة في الداخل الفلسطيني هو هذا التجاهل المتعمد لثراء لغتنا الأم!
تتجلى العديد من الجوانب التي تعكس تجاهل المراقب لاهتمام أهل البلاد الأصليين بلغتهم الأم في الداخل الفلسطيني. وهنا لا أقصد مجرد استخدام كلمة أو عبارة بالعبرية في محادثات الشباب اليومية، بل أتناول نقاطًا جوهرية تتعلق بحياتهم التجارية والعلمية والسياسية كأقلية فلسطينية داخل إسرائيل. إن أكثر من يسيء إلى لغتهم الأم هم النخبة السياسية بشكل خاص، فضلاً عن النخبة الأكاديمية والتجارية بشكل عام. ومن المفترض أن تسعى هذه النخبة إلى حماية الإرث الثقافي والحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية لأهل البلاد الأصليين، وأن تكون قدوة يُحتذى بها للأجيال الناشئة.
ما نشهده في فلسطين منذ أكثر من سبعين عاماً من استعمار ثقافي ولغوي أصبح اليوم يثير القلق ويعكس تناقضاً صارخاً مع توقعاتنا. يتجلى أمام أعيننا ارتفاع ملحوظ ومتعمد في استخدام اللغة العبرية في جميع المناسبات والأمكنة، حتى في المواقف التي لا تتطلب ذلك.
منذ أن بدأ الفلسطينيون في الداخل مشاركتهم السياسية في إسرائيل، لم نشهد أي نائب فلسطيني في الكنيست يقوم بإلقاء خطاب كامل باللغة العربية، على الرغم من أنها تُعتبر لغة رسمية في البلاد. بل على العكس، نجد أن النواب الفلسطينيين يتنافسون فيما بينهم على إتقان اللغة العبرية، وكأن ذلك يُعد إنجازًا وطنيًا بارزًا. حتى النواب الذين لم يتمكنوا من إتقان العبرية، مثل جبر الداهش وأبو ربيعة وآخرين جاءوا بعدهم، قاموا بإلقاء خطابات بلغة عبرية ركيكة، رغم افتقارهم للكفاءة اللغوية. لا أفهم حقيقة إذا كان هؤلاء النواب يدركون الأذى الجسيم الذي يلحقونه بالهوية الوطنية الفلسطينية لأبناء البلد الأصليين، جراء تخليهم عن استخدام اللغة العربية في الكنيست وفي الإعلام العبري.
اللغة العربية ليست مجرد وسيلة للتواصل بل هي رمزٌ حي لكرامة الشعب وهويته الوطنية في هذا الوطن. إن الترجمة إلى لغتهم ليست مجرد إجراء إداري، بل هي معركة من أجل الحفاظ على الجذور والتاريخ. وقد اتخذ النواب الفلسطينيون في البرلمان الإسرائيلي موقفًا شجاعًا في الدفاع عن اللغة العربية، خاصة عندما قامت المؤسسات الصهيونية بتغيير وتحريف أسماء القرى والمدن الفلسطينية، وعندما أُسقطت العربية من قائمة اللغات الرسمية بموجب قانون القومية العنصري. هنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن لمؤيدي هذا القانون أن يدعوا الدفاع عن العمود الفقري للهوية الفلسطينية – اللغة العربية – وهم يتحدثون بالعبرية؟ إن تجاهل هذا الخطأ الفادح لا يمكن أن يُقبل من خلال مبادرات شعبوية، كرفع الأذان في الكنيست أو استخدام الشتائم بالعربية أو إدراج بعض العبارات العربية في كلماتهم، فهذه التصرفات لا تعكس صدق الانتماء بل تثير الشكوك حول النوايا.
للأسف، لا يقتصر الوضع على النخبة السياسية فحسب، بل يمتد ليشمل نخباً أخرى متنوعة. عند تجوالك في مدن وقرى فلسطين، ستلفت انتباهك تلك اللافتات المكتوبة باللغة العبرية فقط، المعلقة على جدران مكاتب المحامين وعيادات الأطباء ومحلات البقالة وكراجات السيارات، على الرغم من خلو تلك الأماكن من أي زبون يهودي. يطرح هذا الأمر تساؤلات متعددة: لماذا يتم تجاهل اللغة الأم والهوية الوطنية بشكل طوعي؟ ما الذي يدفع إلى هذا التملق لسلطة الاحتلال؟ وأين المسؤولون في البلديات والمجالس المحلية الذين يتفاخرون بشعارات الوطنية خلال الحملات الانتخابية من كل هذه المشاهد المؤلمة؟
مقاومة قانون القومية العنصري الذي أصبح لبّ إسرائيل الثالثة، هذه الدولة التي تتفاخر بتمييزها وتخشى الآخر وثقافاته، وتتقوقع في هويتها اليهودية، لا تكتمل إلا من خلال تعزيز الهوية الوطنية الفلسطينية، التي تشكل اللغة العربية عمودها الفقري. اليوم، يتطلب منا كأفراد وأحزاب وجمعيات، سواء كنا من النخبة أو من عموم الناس، أن نبادر إلى تعزيز وجودنا ونحوّل إتقاننا للغة المحتل العنصري إلى أداة قوة، بدلاً من أن يكون مجرد استسلام للثقافة السائدة.
يجب أن يكون الخطاب باللغة العربية وأن تُجرى المقابلات الصحفية حصراً بالعربية، ويتعين على الساسة والناشطين وكُتّاب اللافتات استخدام هذه اللغة الراقية. إن على المثقفين والتجار وأرباب المهن أن يتحدثوا بالعربية في الأماكن العامة، مثل الساحات والقطارات والحافلات والمطارات. أيها الشعب الفلسطيني في الوطن، كل هذا يشكل رمزاً للتحدي والصمود، وليس مجرد مبالغة في التعبير عن الوطنية والقومية. لقد سعوا إلى كسر إرادتنا الفلسطينية وتهميش انتمائنا، ومحاولة طمس هويتنا القومية والوطنية عبر إغفال اللغة العربية. لذا، نحن مدعوون للانطلاق في تحدٍ صريح للدفاع عن لغتنا وإبرازها. نحن كنا وما زلنا وسنبقى الناطقين بالعربية، نحن أصحاب هذه الأرض الأصليين.