أين السلطة الفلسطينيه من المواطنة وحقوق الانسان؟

أين السلطة الفلسطينيه من المواطنة وحقوق الانسان؟
مقال بصفحه 42
رائف حسين – ألمانيا

شرقنا العربي ملئ بامور نفتخر ونعتز بها. في هذه البقعه الصغيرة من المعموره ولدت وترعرعت الحضارة الإنسانيه وهنا وضع حامورابي قوانينه الإنسانيه التي نُقِلت الى كل بقاع الارض وأصبحت العمود الفقري لكل المجتمعات البشرية من أقصى الشمال الى أقصى الجنوب. الشرق هو مهد الأديان السماويه، الروح الاخلاقية لبني البشر. هنا بدأ سيدنا المسيح بنشر رسالته؛ عنوان المحبة والاخوة بين البشر وهنا جاء الرسول الأعظم محمد برسالة الرب الحدودية التي كانت وما زالت القاعدة الاساسية للشرع في كل قوانين البشرية. الشرق العربي رمز الضيافة والكرم. وشرقنا العربي ملئ ايضاً بالتناقضات والسلبيات التي تعيبنا وتجرح كرامتنا من فقر داقع وثراء فاحش، من سلفية فاشية واستبداد وبطش سلطوي، من عبودية جديدة وانتهاك للحريات وحقوق الانسان. في شرقنا العربي تأسست كيانات سياسية لم تستطع ان تتحول الى دول ولم تقترب حتى يومنا هذا لان تكون اوطان يعيش بها مواطنون بمعنى الكلمة وعمقها. عندنا نصف دول يقيم بها بشر عنوة دون مستقبل ودون امل، وهمهم الوحيد اصبح الهجرة الى بقاع الارض التي تحولت من كيانات متناحرة الى دول واوطان لاهلها الذين يعيشون بها برخاء وحريه.

الشعب الفلسطيني، الذي هُجِر من بلده ودفع وما زال يدفع يوماً بعد يوم الغالي والرخيص ليعيد ارضه وكرامته، تتوق لان تكون بلده صورة اخرى مخالفة لخواتها البلدان العربيه. شعب فلسطين وضع جل اماله بان تكون ” نواة الدولة” اللتي بشرهم بها اهل اوسلو، بلد رخاء وازدهار.. بلد القانون والمواطنة.. بلد الحريات والتعددية واحترام الاخر وخصوصيته.. بلد تخدم قيادته الشعب وتدير اموره اليوميه على احسن وجه.

نعم الفلسطيني حلم بوطن.. لكن الحلم الجميل سرعان ما ولى وطار واستيقظ الفلسطيني ليجد نفسه امام الحقيقة المرة : بانه لم يحصل حتى على “نصف دولة”. وهذا الكيان، رغم نعومة أنامله، الا انه سبق اخوته، الكيانات العربية، بالفوضى وانتشار قانون الغاب. هنالك فقر داقع يزداد يوم بعد يوم وثراء فاحش لقلة يزداد ساعة بعد ساعه مع تغييب مقصود ومدروس لقانون ” من أين لك هذا؟”. في فلسطين اليوم عشرة عائلات تملك اكثر من ٦٨٪‏ من الدخل القومي وهنالك أشخاص من ازلام السلطة (هذا الحال موجود ايضاً عند سلطة غزه ) تفوق ثروتهم ميزانية السلطة الفلسطينيه كاملةً وهذه الثروه تراكمت في سنوات قليله دون محاسب ودون مراقب.

في فلسطين اليوم تحكم الرشاوى والمحسوبيه. انتمائك العائلي وهويتك الحزبيه يقرروا مصيرك. شهادتك وخبرتك لا تساوي شيء ان لم يكن مرضي عنك من فوق. الامثله على المحسوبيه واقتصاد القربه هو سيد الحال ويستطيع كل مهتم ان يسمعه من آلاف الأكاديميين والخبراء في فلسطين عن تجربتهم بهذا الحقل، واستكفي هنا بالاشارة ان اكثر من ٨٠٪‏ من موظفي السلطه هم من ابناء وعائلات الحزب الحاكم وان اكثر من ٧٥٪‏ من المليونريين الجدد إنما تقمصوا مركز هام بالسلطه او كان لهم قريب في مركز مسؤول. إمكانية المنافسه لابناء الفقراء والغير تابعين لحزب السلطة ضئيلة جداً ان لم تكن معدومه.

في فلسطين اليوم يلاحقوا رجال ونساء الصحافة والعلم والبحث والمجتمع المدني لا لشيء الا لأنهم أفصحوا عن رأيهم بالسلطة وايدائها المتواضع. انتقدوا الوضع الراهن وشكوا همهم من هذا الاستبداد وهذا الوضع المزري علناً. هؤلاء زجوا بالسجون وجرجروا الى قاعات القضاء السلطوي كما حصل مع البروفسور عبد الستار قاسم وزملاء اخرون. سياسة كم الأفواه ولجم حرية التعبير عن الرأي أصبحت امر “عادي” في فلسطين المحتله داخلياً وخارجياً.

مراراً وتكراراً حالت السلطة الفلسطينية في السنوات الاخيرة لتقزيم حرية التظاهر والاحتجاج . لهذا الهدف لم تكتفي السلطة في استعمال القوانين والمراسيم الجحفاء بحق اهلنا بل انزلت قواتها الامنيه ومخابراتها لملاحقة المتظاهرين ومعاكستهم كما حصل في مظاهرات المعلمين عندما جرأوا بالمطالبه بحقوقهم . وان تقف الأجهزه الامنيه لسلطة الشعب وتمنع الشعب من التظاهر والاحتجاج من اجل حريته من الاحتلال والطغيان فهذا نوع جديد من اختراق حقوق الانسان الذي ابتدعته السلطه.

اليوم في فلسطين أصبحت المرأه عوراء، صورتها عوراء واسمها أعور.. لجنة الانتخابات المركزية مؤسسة حكومية تنفذ قرارات وتوجهات وزير الداخلية ومكتب الرئيس. هذه المؤسسة توافق على لوائح مرشحين للانتخابات المحليه التي تنتهك حقوق المرأة الفلسطينيه بشكل داعشي بامتياز. لوائح بعض القوائم لا تحتوي صورة المرشحات ولا حتى اسمهن ويكتفوا هؤلاء الذكور باستبدال اسم المرشحة بزوجة فلان! او حرم فلان! او أبنت فلان!

في فلسطين اليوم ينعم المواطن بتأمين صحي أساسي وحق بالتعليم وهذا حق انساني أساسي، لكن هذه فقط نصف الحقيقة ونصف الحق!.. النصف الاخر هو ان العلاجات المكلفة في خارج الوطن او في مستشفيات الاحتلال تبقى بأغلبها من حصة المرضي عنهم من حزب السلطة ومن لف حولهم. عشرات الملايين من الدولارات تصرف على عمليات جراحية في الخارج على المسؤولين وابناءهم وأقاربهم ومعارفهم مع ان في فلسطين هنالك اخصائيين بشهرة عالميه واكتفي هنا بالاشارة الى مستشفى المقاصد وبالتحديد قسم جراحة المخ والأعصاب. السلطة تستلم سنوياً العشرات من المنح الدراسية من الدول الصديقة، هذه المنح توزع في اقبوة السلطة حسب قانون المحسوبية بعيدة عن الشفافيه والحاجة المادية والكفاءة العلمية

ويبقى حق التعليم العالي بمنح مرتبط برضاء هؤلاء المتربعين على العرش.

في فلسطين اليوم احدى عشر جهاز أمنياً بكثافة للعناصر الامنيه مقابل عدد السكان، تتجاوز تلك في المانيا او السويد، هذا لا يعني بأننا في فلسطين ننعم بأمان يفوق تلك الامان في المانيا.. الفرق ان عمل الأجهزة الامنيه في المانيا تضبطه قوانين وقواعد رسمها لها البرلمان وتسهر على تنفيذها لجان مراقبه ومحاسبة خصوصاً في مجال حقوق الانسان، وفي فلسطين تعبث وتجول الأجهزة الامنيه كما تشاء دون رقيب ودون حسيب. هذا الوضع ليس بجديد؛ احمد قريع رئيس الحكومة السابق هدد في ٢٠٠٥ بالاستقالة ان لم تتوقف كل مظاهر الانفلات الامني التي تسببت به الأجهزه الامنيه! وشهادة اللواء نصر يوسف وزير الداخلية الأسبق امام المجلس التشريعي في 19.10.2005 عندما أكد على ان قيادات بعض الأجهزة الأمنية لا يستجيبون لتعليماته توضح المأزق الذي تواجدنا به.. وإذا اخذنا بعين الاعتبار ان ايداء الأجهزه الامنيه وابتعادها عن الانصياع للمراقبه والمحاسبة ازداد أضعاف منذ ذلك الوقت وخصوصاً بعد رحيل الرمز القائد ابو عمار، فنصل الى نتيجة اننا أصبحنا اليوم في فلسطين في دولة يحكمها جهازين: أمني وتشريعي بالتوازي. الانفلات الامني في فلسطين له وجوه عديده؛ التعذيب والاعتقال الغير قانوني هي اقل المصائب وأقل نتائج هذا الافلات. في سجون الأجهزة الامنيه الفلسطينية يقتل ابرياء ويعذب البعض حتى الموت.. ابو العز حلاوه ابن نابلس كان اخر من أعدمته الأجهزه الامنيه دون حكم ودون قرار قضائي، لا بل تم السكوت من الهرم السياسي على هذه الجريمة وتم تلفيقها كما هو المعتاد. ابو العز حلاوه لم يكن الاول ممن لاقوا حتفهم في معتقلات السلطة في فلسطين المحتله وهو لن يكون الأخير دون شك. كنا في الماضي نشكي اجهزة أمن الاحتلال وها نحن اليوم في فلسطين نرى ان اجهزة أمن السلطة ليس فقط تمشي على نفس الموال بل تتقنه بدقه اكبر وتتفنن في ابداع وسائل انتهاك حقوق الانسان. القضيه التي لاقت لحسن الحظ اهتمام البعض من ابناء شعبنا وللاسف لم تنال حتى الان اهتمام مؤسسات حقوق الانسان في فلسطين ولا اهتمام القوى السياسية هي قضية الشباب المخطوفون السته من قبل اجهزة الأمن الفلسطيني دون تهمه ودون قضاء عادل.

الحديث هنا عن الشبان هيثم سياج، وباسل الأعرج، ومحمد حرب، وسيف الإدريسي، ومحمد السلامين، وعلي دار الشيخ، الذين اعتقل ثلاثة منهم (حرب، سياج، الأعرج) في التاسع من نيسان قرب قرية عارورة قضاء رام الله، إثر 10 أيام من اختفائهم، فيما اعتقل الثلاثة الآخرون لاحقًا بتهمة التعاون معهم. اليوم يقترب الشبان المعتقلين لدى السلطة الفلسطينية من إتمام شهرهم الخامس خلف القضبان، دون أن توجه بحقهم تهمة واضحة أو يقدموا للمحاكمة، باستثناء قرارات تمديد اعتقال متلاحقة كان آخرها التمديد لـ45 يوما تنتهي في الأول من تشرين أول المقبل. قبل ستة ايام بدأ هؤلاء المعتقلون باضراب مفتوح عن الطعام احتجاجاً على تعامل اجهزة السلطة معهم واحتجاجات على وضع اعتقالهم. اجهزة الأمن الفلسطينية لم تكتفي باعتقالهم دون تهمه وتعذيبهم وهو خرق واضح لحقوقهم الإنسانيه بل عاقبتهم الان على قرارهم ببدأ إضرابات عن الطعام بمنع اتصالهم بمحاميهم وقطع زيارة ذويهم لهم.

اختراقات حقوق الانسان الفلسطيني في فلسطين المحتله من قبل السلطة الفلسطينية اصبح موضوعاً يوميا وان الاوان بان تكف القوى السياسية عن لف النظر عن هذا الموضوع وان الاوان بان تتكلم مؤسسات حقوق الانسان الفلسطينيه عن انتهاكات حقوقه الانسان الفلسطيني من قبل السلطه والا أصبحت فلسطين المثل الأسوأ في الشرق لاختراق حقوق الانسان من قبل السلطة والسكوت عليه من قبل مؤسسات الشعب المدنيه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *