منذ قيام دولة إسرائيل عام 1948، طرأت تحولات كبرى على سياساتها الاجتماعية والاقتصادية، وعلى سياستها الاستراتيجية تجاه العالم العربي – وخاصة تجاه الشعب الفلسطيني – كما تغيّر بشكل جوهري إدراك الإسرائيليين لأنفسهم. ومن ثمّ ينبغي لكل حديث جدي عن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي أن يبدأ بسؤال: أي إسرائيل لدينا أمامنا اليوم؟

إسرائيلات كثيرة تحت علم واحد

إسرائيل جيل التأسيس كانت تقودها أيديولوجيا العمل الجماعي ومؤسسات اشتراكية طموحة ومجتمع يدّعي المساواة. ثم تحولت بعد حرب 1967 إلى دولة صار وجودها متشابكًا مع الاحتلال والمستوطنات وسؤال الشعب الفلسطيني الخاضع لسيطرتها. وبعد انهيار عملية أوسلو برزت إسرائيل أخرى: دولة مهووسة بالأمن، ليبرالية اقتصاديًا، منقسمة بين قوى علمانية ودينية، وبين نخبة تأسيسية أوروبية ومجتمعات مهاجرة شرقية.

هذه الإسرائيلات ليست خيالًا؛ إنها مراحل تطور حقيقي. ومن يبني تحليله وخطته على إسرائيل الأمس يفقد واقع اليوم من نظره.

تبعات هذا الفهم على الفكر الفلسطيني

النظرة المنضبطة تميّز بين: الدولة الإسرائيلية ببنيتها السلطوية، والمجتمع الإسرائيلي بتناقضاته، والتيارات السياسية المتصارعة على صناعة القرار. هذا التمييز هو شرط أي تقييم واقعي، فهو يحمينا من تثبيت صورة «إسرائيل قادرة على السلام» القديمة، ومن تبسيط صورة «كيان متخالف بطبيعته» في آن واحد.

يحتاج الفلسطينيون إلى معرفة دقيقة بإسرائيل التي يواجهونها اليوم: منطق تحالفاتها، ومخاوفها، وديموغرافيتها، وجدلها الدستوري. فمن يفهم خصمه أو طرفه المفاوض في صورته الراهنة وحده يستطيع أن يضع استراتيجية تتجاوز الشعارات.