اية إسرائيل نواجه؟ 

 كيف تبدلت وتغيرت إسرائيل؟ 

منذ تأسيس دولة إسرائيل في عام ،1948 شهدت السياسة اإلسرائيلية تحوالت جذرية على األصعدة االجتماعية واالقتصادية، إضافة إلى تغييرات استراتيجية في عالقاتها الخارجية مع العالم العربي، وباألخص تجاه الشعب الفلسطيني وقضيته. كما طرأت تغييرات عميقة في رؤيتها لذاتها. 

إسرائيل، كما يتصورها البعض من العرب واألجانب، من إعالميني وأكاديميني ً عن تصويروسياسيني بمختلف أطروحاتهم ووجهات نظرهم املتنوعة، تبعد كثيرا الواقع املعاصر، سواء من الناحية السياسية أو االجتماعية. 

ً ما تتجلى صورة مشوهة عن إسرائيل في الرأي العام الغربي والعربي، حيثغالبا 

ُبنى على التمنيات والتكهناتً تتتسلل إلى األذهان صورة غير مكتملة وجزئية، أحيانا 

واملعلومات القديمة، أكثر من أن تكون مستندة إلى معرفة حديثة وشاملة بالواقع اإلسرائيلي. هذه الصورة املحرفة، بغض النظر عما إذا كان مروجوها من معارضي السياسات االستعمارية إلسرائيل، أو من مؤيديها، هي التي تصل في أغلب األحيان إلى العالم. وتستند هذه الرؤية على قاعدة أساسية واحدة، يمكن تلخيصها في املعرفة السطحية وغير املتجددة التي يحملها هؤالء عن إسرائيل بجوانبها املتعددة واملعقدة. 

في قلب عملية التأثير في الرأي العام وصياغة القناعات السياسية بني النخب، تبرز املعرفة واملعلومات الحديثة كعناصر جوهرية في املجال الذي تسعى إليه تلك العملية. 

1 ايـة اســرائــيل نـواجـه؟

وهذه الحقيقة تنطبق على جميع مجاالت العمل التي يسعى فيها اللوبي أو أي تجمع تضامني لتحقيق تأثير بارز. 

أما عن التساؤالت حول فشل العرب بوجه عام والفلسطينيني بوجه خاص في تكوين تأثير فعال على توجهات النخب السياسية األوروبية والعاملية، فهي تنطوي على إجابات متعددة وأسباب معقدة. لكن ما أالحظه في السنوات األخيرة هو غياب طرح السؤال الجوهري: مع أ ّي إسرائيل نتعامل اليوم، ويتعامل معها العالم، ونحن العرب؟ 

ما الذي طرأ على إسرائيل في السنوات األخيرة؟ وكيف شهدت تحوالت جذرية؟ وإلى أين تتجه البالد اليوم؟ 

لإلجابة عن هذا التساؤل ولتسهيل فهم الوضع الراهن إلسرائيل، فضالً عن سياساتها ومتابعة التطورات التي عرفتها على مدار العقود السبعة املاضية، سأقسم مراحل هذا التحول إلى ثالث فترات زمنية شهدت تغيرات جذرية. ويجب على كل باحث، وكل سياسي أن يولوا هذه الحقبات اهتم ًاما خا ًصا عند دراستهم إلسرائيل أو التعامل معها في مجاالتها االجتماعية واالقتصادية واأليديولوجية واستراتيجياتها املتنوعة. 

إسرائيل األولى ١٩٤٨ - ١٩٧٧ 

إسرائيل الثانية ١٩٧٨ - ٢٠٠٥ 

إسرائيل الثالثة ٢٠٠٦ - وحتى يومنا هذا 

إسرائيل األولى أقسمها إلى مرحلتني أساسيتني: 

املرحلة األولى - مرحلة بناء الذات أو مرحلة اليهودي الجديد" من -١٩٤٨ .١٩٦٦ املرحلة الثانية - مرحلة االحتالل ومحاربة الهوية الفلسطينية من .١٩٧٦-١٩٦٧ 

إسرائيل الثانية اقسمها إلى ثالث مراحل: 

املرحلة األولى- مرحلة الحرب على م ت ف ١٩٧٧ - .١٩٩١ 

واملرحلة الثانية - مرحلة الحفاظ على االمتيازات أو مرحلة نهاية "اليهودي الجديد" من .٢٠٠٠-١٩٩٢ 

2 ايـة اســرائــيل نـواجـه؟

واملرحلة الثالثة - مرحلة االنتقال من ٢٠٠١ - .٢٠٠٥ 

إسرائيل الثالثة اقسمها إلى ثالث مراحل: 

املرحلة األولى - مرحلة االنكسار من ٢٠٠٦ - ٢٠٠٨ 

املرحلة الثانية - مرحلة التخطيط للتحول الكبير ٢٠٠٩ - ٢٠١٢ 

املرحلة الثالثة - مرحلة النتانياهويه "الصهيونية الجديدة" من ٢٠١٢ - وحتى اآلن. 

شهدت إسرائيل، عبر عصورها الثالث، تحوالت نوعية عميقة في نسيجها االجتماعي وتطورات اقتصادية ملحوظة. كما شهدت تبدالت في استراتيجياتها السياسية املركزية، التي تركت آثارها الجلية في الهيكلني االجتماعي والسياسي. إلى جانب ذلك، حدثت تغييرات جذرية في األيديولوجيا وفهم الذات، التي باتت تهيمن على املشهد السياسي واالجتماعي في الساحة اإلسرائيلية. 

تحولت إسرائيل في العقود السبعة املاضية من دولة تنبض بجذور مجتمع تضامني اشتراكي، كما تجلى في حركة الكيبوتس، إلى كيان اقتصادي نيوليبرالي في أدنى ً في مفاهيم الديمقراطية واملواطنة وبنية األحزابصورة. نشهد اآلن تحوالً عميقا 

،ً تجتاحالسياسية. لقد برزت راديكالية سياسية تتخذ من الدين والعلمانية ألوانا الساحة السياسية اإلسرائيلية، وتدفع الجميع نحو اليمني والعنصرية. في هذا السياق، أجد نفسي أستعمل مصطلح "رأس مال العنصرية". ال أقصد به املعنى ُفهم في الفكر املاركسي، بل إنني أشير إلى أن العنصريةالتقليدي لرأس املال كما ي 

ُستغل من قبل الغالبية العظمى من النخب السياسيةفي إسرائيل أصبحت ت 

الصهيونية لتعزيز مكاسبهم السياسية واالجتماعية. التنافس في تجليات العنصرية ً تجاه الشعب الفلسطيني بشكل عام،تجاه األقلية الفلسطينية في إسرائيل، وأيضا 

يزداد بشكل ملحوظ. لقد انتقلت العنصرية في املجتمع اليهودي اإلسرائيلي من مجرد تعبيرات كالمية وتصرفات يومية عفوية إلى عنصرية مؤسساتية مدعومة بقوانني عنصرية جلية. 

في سياق البحث العلمي املتعلق بإسرائيل، وكذلك في التفاعالت السياسية اليومية من قبل أصدقائها وأعدائها، نالحظ أن التحوالت الجذرية التي شهدتها هذه الدولة ُغفل عنها املساحة واالهتمام الالئقان بها. إنً ما يُؤخذ بعني االعتبار. وغالباً ما تنادرا 

التفاعل املتباين مع إسرائيل واعترافنا بأنها قد مرت بتغييرات جذرية، وأنها اليوم ً عن ماضيها في معظم املحاور األساسية، سواء على مستوىأصبحت مختلفة تماما 

3 ايـة اســرائــيل نـواجـه؟

نخبتها السياسية أو استراتيجياتها أو هيكل مجتمعها وفهمها لذاتها، يجعل البحث ً عن العمومية السطحية. كما أنه يفتح،ً ويجعل التحليل بعيداالعلمي أكثر دقة وعمقا ً جديدة لتطوير استراتيجيات واقعية وتكتيكات محكمة تتناسبأمام السياسيني آفاقا 

مع التغيرات التي اجتاحت إسرائيل ونظامها السياسي وهياكلها االجتماعية. 

في السطور القادمة، سأخصص حديثي لتناول التحوالت التي طرأت على موقف ج َهت أنظارها نحوِّالنخب السياسية اإلسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية، وكيف ُو الشرق األوسط، باإلضافة إلى العالقات التي نسجتها مع الدول العربية خالل املراحل الثالث التي أشرت إليها سابًقا. 

في املرحلة األولى من تاريخ إسرائيل بني عامي 1948 وحتى ،1966 كانت األيديولوجية السائدة في الذهنية اإلسرائيلية هي الصهيونية البنغوريونية. وقد اتجهت كل طاقتها نحو تشييد الدولة وترسيخ مفهوم املواطنة الجديدة لليهود الوافدين من مختلف أنحاء العالم، بعد املآسي والتطهير العرقي املبرمج التي لحقت بأهل األرض األصليني، الشعب الفلسطيني. وقد دأبت األدبيات الصهيونية على استخدام مصطلح 1 "اليهودي الجديد" لوصف هذه املساعي . 

لم يكن للدولة الحديثة أي اهتمام يذكر بمصير الشعب الفلسطيني أو بقضيته، والتي استغلها القادة العرب منذ اقتالع السكان األصليني من أرضهم ألغراض أنانية بحتة. وفي إطار استراتيجيتها، عملت إسرائيل في نشأتها على تضخيم التهديد العربي ًا يهدد وجودها. أما من تبقى من الشعبً إياه خطرالذي يحيط بها، معتبرة 

الفلسطيني في أرضه، فقد ُو ِضع تحت وطأة الحكم العسكري املباشر خالل تلك ُعنى بالتعامل معهم في إطار الدولة الحديثة.ً لغياب استراتيجية واضحة تالفترة، نظرا كانت الصهيونية في بداياتها تتطلع، كما تشير كتابات مؤسسيها من أمثال تسانغفل 

وبنغريون وآخرين، إلى تحقيق تطهير عرقي شامل. وقد اعتبرت النخب السياسية ًالصهيونية األولى الفلسطينيني الذين بقوا على أرض أجدادهم خطأً استراتيجيا يستدعي التعامل معه بحذر وحنكة، حتى ال يتحول إلى عقبة تعيق اعتراف العالم بالدولة الحديثة وإقامة عالقات دبلوماسية معها. لقد كانت االستراتيجية الصهيونية 

1 1 للمزيد حول هذه المرحلة واستراتيجية اسرائيل تجاه الاقلية الفلسطينية انظر ال: 

Raif Hussein; die politische Partizipation der Palästinensischen Minderheit in Israel; 2002; Grin Verlag  Raif. Hussein in Israel on Israel, 2008; P. 206–218 ;: في وايضا 

4 ايـة اســرائــيل نـواجـه؟

في تلك الحقبة تهدف إلى إذابة الفلسطينيني داخل املجتمع اليهودي من خالل منحهم حقوق التصويت والترشيح للكنيست، باإلضافة إلى استقطاب نخبهم وقياداتهم العشائرية املتبقية ضمن أحزاب الحركة الصهيونية، بما في ذلك الحزب الشيوعي اإلسرائيلي. ومع إعالن تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية واستراتيجيتها املقاومة لالحتالل، بدأ االهتمام بالقضية الفلسطينية يتزايد داخل األروقة السياسية اإلسرائيلية. وقد أيقنت القيادة الصهيونية أنه ال بد من طرح حل ما للقضية الفلسطينية في وقت ما. 

ًفي املرحلة الثانية من تاريخ إسرائيل، التي امتدت من 1967 إلى ،1977 وتحديدا بعد أن احتلت الدولة الصهيونية بقية فلسطني وأراضي عربية أخرى، شعرت ً وضعها في موقع القوة. بدأت بإرسالً عظيماالصهيونية أنها قد حققت نصرا ّر من خاللها عن استعدادها إلخالءُعبإشارات على املستويني اإلقليمي والدولي، ت 

معظم املناطق التي احتلتها في حرب ،1967 شريطة ضمان أمنها واستقرار جغرافيتها التي ال تزال حدودها غامضة. اعتمدت الحركة الصهيونية على األراضي املحتلة كوسيلة ضغط في سياق املفاوضات الالحقة لحل القضية الفلسطينية، وكانت قضية الالجئني الفلسطينيني حاضرة في ذهنها منذ البداية. 

بعد أن أقرت منظمة التحرير الفلسطينية البرنامج املرحلي لحل الدولتني كخطة استراتيجية هجومية لها، وحظيت باعتراف واسع من قبل العديد من دول العالم ِ َحت وضع عضو مراقب في األممكممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني، وُمن 

املتحدة، بدأت النخبة السياسية الصهيونية تشدد من تركيزها على القضية ً في هجماتها الدبلوماسية واألمنية عبر عدة جبهات.الفلسطينية، متصاعدة انتزاع الفلسطينيني لحقهم في التعبير عن أنفسهم وتقرير مصيرهم وفق ًا بارزًا على الساحة اإلقليمية والدولية،استراتيجياتهم الخاصة قد منحهم قوة وحضور 

مما زاد الضغط على الصهيونية للتوصل إلى حل "عادل" للقضية الفلسطينية. في هذه املرحلة الحرجة، بدأ الصهاينة بالتفكير بوضع استراتيجيات مدروسة، حيث ًا الستيطان كولونيالي في األراضي املحتلة بهدف تعزيز قيمة الرهينةوضعوا خطط 

التي بني أيديهم وزيادة قوة الضغط على الجانب الفلسطيني في حال بدء املفاوضات لحل القضية. كما أن الحزب الليكودي، بأيديولوجيته، كان أقرب إلى نظرية إسرائيل الكبرى، حيث ساهم االستيطان في تعزيز تأثيره داخل األوساط الدينية والسياسية .املتطرفة 

5 ايـة اســرائــيل نـواجـه؟

في هذه املرحلة التاريخية، تابعت املؤسسة الصهيونية السياسية واألمنية بقلق بالغ الزيادة الكبيرة في مشاركة الفلسطينيني في األراضي املحتلة عام 67 ضمن صفوف حركات التحرر الفلسطينية التي تتبع منظمة التحرير. ونتيجة لذلك، شرعت في وضع استراتيجيات ملطاردتهم ومالحقتهم بهدف تقويض نفوذ م ت ف في فلسطني. من أجل تحقيق هذا الهدف، استغلت إسرائيل جميع الوسائل املمكنة لها، سواء كانت ً لتقليص تأثير م ت ف فيأمنية أو عسكرية، من قتل واغتياالت واعتقاالت، سعيا 

النسيج الفلسطيني باألراضي املحتلة. وعملت على تشكيل قيادة بديلة تحت مسمى روابط القرى، مع تقديم الدعم الهادئ لقوى اإلسالم السياسي التي لم تنضم إلى مؤسسات منظمة التحرير. 

بعد انتفاضة فلسطينيي الداخل األولى في يوم األرض، أدركت القيادة الصهيونية أن مشروعها الهادف إلى استيعاب الفلسطينيني الذين ظلوا في أراضيهم ضمن النسيج اإلسرائيلي الجديد قد باء بالفشل. وقد وقعت في فخ خطأ استراتيجي، حني منحتهم 

حق االنتخاب والتنظيم السياسي شبه الحر. ملحاولة تصحيح هذا الوضع، قام الحاكم العسكري اإلسرائيلي ملنطقة شمال فلسطني، الجنرال كينغ، بوضع وثيقة "وثيقة كينغ" . هذهً بـ 

2 للتعامل املستقبلي مع فلسطينيي الداخل، والتي ُعرفت الحقا الوثيقة، التي ال تزال محاورها تتداول حتى يومنا هذا، تتبنى االنتقال من استراتيجية الذوبان إلى استراتيجية دمج الفلسطينيني في املجتمع اإلسرائيلي، مع محاولة إضعاف هويتهم الفلسطينية وانتمائهم الوطني. تشدد الوثيقة على التضييق على القوى الوطنية في صفوف فلسطينيي الداخل، وتعطيل فرص الشباب في الدراسة في الجامعات اإلسرائيلية، بهدف دفعهم نحو الهجرة خارج البالد للتعليم، وتضع عوائق أمامهم عند عودتهم بعد إتمام دراستهم في الخارج للدخول إلى سوق العمل اإلسرائيلي. 

في تلك األثناء، كانت املؤسسة الصهيونية تتعامل مع الفلسطينيني في الداخل كأنهم مواطنون إسرائيليون، رغم أن مواطنتهم كانت محصورة ومقيدة. منذ نشوء الدولة، كانت العنصرية اللفظية السائدة حاضرة في الشارع اليهودي، موجهة نحو الفلسطينيني في الداخل. وظل الفلسطيني في الداخل ممنوًعا من التعبير عن هويته الفلسطينية أو العمل على تعزيزها على نحو علني، ليحل محلها الهوية العربية 

2 للمزيد حول هذه المرحلة واستراتيجية اسرائيل تجاه الاقلية الفلسطينية انظر ال: 

Raif Hussein; die politische Partizipation der Palästinensischen Minderheit in Israel; 2002; Grin Verlag  Raif. Hussein in Israel on Israel, 2008; P. 206–218 ;: في وايضا 

6 ايـة اســرائــيل نـواجـه؟

العامة، في محاولة للحد من وجود الهوية الفلسطينية. وهنا ُولد املصطلح الغامض، بمراميه وأهدافه، أال وهو "عرب إسرائيل" أو العرب في إسرائيل، الذي تم تبنيه من قبل النخب السياسية والثقافية الفلسطينية والعربية وأي ًضا الجماهير الفلسطينية والعربية في الشرق األوسط، دون وعي بخطورته. 

في إسرائيل الثانية، وتحدي ًدا في املرحلة األولى ما بني ١٩٧٨ و ،١٩٩١ ومع استيالء حزب الليكود على الحكم، طرأت تحوالت جذرية على استراتيجية النخب السياسية تجاه الشعب الفلسطيني. فقد كان الهدف الرئيسي للمؤسسة السياسية والعسكرية واألمنية في نهاية حقبة إسرائيل األولى وبداية الثانية هو اجتثاث منظمة التحرير. في تلك األثناء، أدركت النخبة السياسية الصهيونية، ما خفي على بعض النخب الفلسطينية حتى يومنا هذا، أن منظمة التحرير الفلسطينية ليست مجرد هيئة سياسية تمثل الشعب الفلسطيني، بل هي في حقيقة األمر تمثل هوية وطنية متكاملة تضم جميع أبناء الشعب الفلسطيني، بغض النظر عن أماكن تواجدهم، وهنا تبرز قوتها الحقيقية. كانت استراتيجية الصهيونية تهدف إلى تدمير هذه الهوية الجامعة بكل ما أوتيت من وسائل، حيث فرضت رقابة مشددة على األنشطة التي تقوم بها املؤسسات الفلسطينية املرتبطة بفصائل املقاومة، أو تلك القريبة منها في األراضي املحتلة عام .1967 ولم تتوانَ عن مالحقة الحركات واألفراد في األراضي املحتلة عام ًا مع منظمة التحرير الفلسطينية. وقد انطلقت عمليات1948 الذين أظهروا تعاطف 

اغتيال تستهدف رموز الهوية الوطنية وشخصيات بارزة، في محاولة يائسة لتفكيك النسيج االجتماعي والثقافي الفلسطيني. 

استشعرت املؤسسة العسكرية الصهيونية أن الظروف التي أفرزتها الحرب األهلية في لبنان تمثل فرصة سانحة لشن حملة إبادة ضد فصائل منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها الحيوية املوجودة في لبنان. 

في أثناء العدوان الذي استهدف لبنان ومنظمة التحرير الفلسطينية، تشكلت في إسرائيل أربعة أمور جوهرية اعتبرها محورية في بناء "إسرائيل الثانية": أولها، تنامي عدد الحركات اليهودية التي تسعى نحو تحقيق السالم مع محيطها العربي، وثانيها، تعزيز نفوذها داخل النسيج االجتماعي اليهودي. 

ً ازداد تأثير حركة كاخ املتطرفة، التي أنشأها الحاخام اليهودي األمريكي مائير ثالثا 

١٩٧١ بعد وصوله من الواليات املتحدة. لقد أصبحت أفكار كاهانا كهانا في عام 7 ايـة اســرائــيل نـواجـه؟

األيدلوجية املتطرفة بمثابة األسس التي نمت عليها حركات يهودية إرهابية وكيانات ًا داخل املجتمع اليهودي.سياسية متطرفة تحمل طابًعا عنصري 

ً تحول مشروع االستيطان الكولونيالي، ال سيما في األراضي الفلسطينيةرابعا 

املحتلة منذ عام ،٦٧ من مجرد تكتيك استراتيجي إلى مشروع أيدولوجي شامل. كما تم تأسيس حزب شاس لليهود املتدينني الشرقيني، بعد أن سبقه اليهود املتدينون الغربيون بتأسيس حزب املفدال في العام .١٩٥٦ 

ً على الطابع االجتماعي والسياسيً عميقالقد كانت هذه النقاط األربعة لها تأثيرا 

إلسرائيل في مرحلتها الثانية، حيث تركت بصمات ال تمحى في سجالت التاريخ الصهيوني وتاريخ التفاعل مع القضية الفلسطينية ضمن النخبة الصهيونية واليهودية. كما أنها قد أسست معالم صورة واضحة إلسرائيل، تتجلى من خالل نخبتها السياسية وبنية مجتمعها، في أعني العالم الخارجي، حيث ال تزال األغلبية من النخب السياسية الغربية والعربية تعتمد على هذه الصورة في تعاملها مع إسرائيل وتقييمها حتى يومنا هذا. 

محاوالت إسرائيل للقضاء على منظمة التحرير الفلسطينية باءت بالفشل الذريع، بعد أن اشتعلت نيران االنتفاضة األولى كشرارة ألهبت األمل في نفوس الشعب الفلسطيني. فرغم كل ما سعت إليه إسرائيل من تنكيل وتدمير للبنية التحتية ملؤسسات فصائل املقاومة في األراضي املحتلة عام ،67 ورغم نجاحها في إبعاد قيادات م ت ف عن حدودها القريبة، إال أن فصائل املقاومة أظهرت قدرة فائقة على إدارة االنتفاضة واستدامتها، مما استنزف قوى االحتالل على كافة الجبهات. في خضم أجواء االنتفاضة األولى، زاد الضغط الدولي على إسرائيل، مما فرض أيضا على منظمة التحرير الفلسطينية ضرورة العمل بجد إليجاد حل عادل للقضية الفلسطينية. 

ً حثيثة للتملص من هذا االستحقاق، واستفادت من االنقسامبذلت إسرائيل جهودا 

الذي نشأ خالل االنتفاضة األولى بني فصائل منظمة التحرير وحركات اإلسالم السياسي، على رأسها حركة حماس. كما أن الخطأ االستراتيجي الذي وقع فيه الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بتأييده لصدام حسني في غزوه للكويت كان له أثر عميق في تخفيف الضغط العاملي على إسرائيل، مما أتاح لها االنتقال من البحث عن حل جذري للقضية الفلسطينية، على األقل في أوساط النخب السياسية 

8 ايـة اســرائــيل نـواجـه؟

الصهيونية وبعض مؤيديها في الغرب، إلى تبني استراتيجية جديدة إلدارة الصراع مع الفلسطينيني. 

في ختام املرحلة األولى من إسرائيل الثانية، جاءت الدعوة إلى مؤتمر مدريد في نوفمبر ١٩٩١ من الواليات املتحدة األمريكية، وكأنها طوق نجاة للمؤسسة الصهيونية. وما سبق ذلك من مسرحية تهديدات اإلدارة األمريكية إلسرائيل، بشأن حجب ضمانات القروض املالية إذا لم توافق على املشاركة في محادثات مدريد، كان بمثابة سيناريو استراتيجي محكم. وقد استسلم بعض األوروبيني ومعظم العرب بجهل لفكرة أن الواليات املتحدة كانت بالفعل جادة في تهديداتها إلسرائيل وتغيير نهجها تجاه القضية الفلسطينية. 

في املرحلة الثانية من إسرائيل الثانية بني عامي 1992 وحتى ،2000 استطاعت القيادة الصهيونية اقتناص فرصتها الثمينة لالنتقال من استراتيجية معالجة القضية الفلسطينية إلى استراتيجية إدارة الصراع الفلسطيني اإلسرائيلي. وكان إسحاق شامير، رئيس الحكومة اإلسرائيلية حينئذ، قد عبر عن هذا بشكل واضح عندما رد على سؤال أحد الصحفيني األوروبيني حول ما الذي يسعون لتحقيقه في مدريد، فقال شامير: نرغب في إجراء محادثات، محادثات مطولة قد تمتد لسنوات عديدة. داخل الساحة اإلسرائيلية، تف ّجر الصراع بشكل متسارع بني حركات السالم املتنوعة، التي سعت جاهدة إليجاد حل "عادل" للقضية الفلسطينية وإنهاء االحتالل، وبني ًا في زمن حكمالتيارات املتطرفة العنصرية واالستيطانية التي شهدت تزاي ًدا ملحوظ الليكود. وقد تالعبت األوهام باألذهان، وكأننا على عتبة بدء انسحاب إسرائيلي من األراضي املحتلة عام .1967 

واجهت القيادة الفلسطينية قبل توقيع اتفاقيات أوسلو وما تالها من اتفاقيات تابعة العديد من الفخاخ التي نصبتها لها املؤسسة االستراتيجية الصهيونية، مما أدى إلى ترسيخ مبدأ إدارة الصراع عوضا عن العمل على حل القضية الفلسطينية. وقد أدركت 

القيادة الفلسطينية هذه الحقيقة بوضوح في عام ،١٩٩٩ العام الذي كان من املفترض فيه أن تنتهي املرحلة االنتقالية، وتبدأ مرحلة استعادة األراضي الفلسطينية 3 كاملة من االحتالل . حاولت السلطة الفلسطينية تصحيح هذا املسار من خالل إشعال فتيل االنتفاضة الثانية، إال أن هذا الحدث لم يعزز إال من تفاقم أزمة الشعب الفلسطيني التي تسببت بها اتفاقيات أوسلو، ومنح إسرائيل مبررات متعددة 

3 /د-رائف-حسني-الفلسطيني-بني-الحل-السياس/com.natourcenters://https  

9 ايـة اســرائــيل نـواجـه؟

الستمرارها في استراتيجية إدارة الصراع وتجنب الضغط من أجل حل القضية بشكل نهائي. 

املؤامرات التي أعدتها املؤسسة االستراتيجية اإلسرائيلية بالتعاون مع شركائها في أمريكا وبعض الدول األوروبية كانت تستند إلى مبدأ واحد فحسب: اإليحاء للقيادة الفلسطينية بأنها حققت إنجازًا عظ ًيما في سبيل حل القضية، بينما يعمل الصهيوني بجد على األرض، ويستثمر في الدبلوماسية لعرقلة هذا الهدف وتدميره من الداخل. منذ توقيع اتفاقيات أوسلو، برزت رؤيتان متعارضتان بشأنها: رؤية فلسطينية تتغذى على األمل والطموح، ولكن دون استراتيجية واضحة، ورؤية إسرائيلية مدعومة من الواليات املتحدة، ترتكز على خطة ممنهجة لتوريط الفلسطينيني وإكمال القضاء على هويتهم الوطنية املتمثلة في منظمة التحرير الفلسطينية. 

خالل مرحلتها الثانية بني عامي 1992 و،2000 شهدت إسرائيل تحوالت اجتماعية وسياسية بارزة وذات مغزى عميق، تستدعي منا التوقف والتأمل في آثارها على السياسة اإلسرائيلية وتقييم ردود الفعل الدولية تجاهها، بما في ذلك األثر في املحيط الشرق أوسطي. من بني هذه التحوالت، وعلى سبيل املثال ال الحصر: مع توقيع اتفاق أوسلو، تجّلت إسرائيل أمام العالم كدولة تسعى للسالم وتبحث، بعد انقضاء زمن ل عن أي شيء مماَّطويل، عن تسوية مع الفلسطينيني، على الرغم من أنها لم تتخ 

قامت به في العقود السابقة، األمر الذي أدام حالة الحرب وعدم االستقرار. لم تقم بتفكيك مستعمراتها االستعمارية، ولم تعترف بما ارتكبته من تطهير عرقي في فلسطني، كما أنها لم تعوض الفلسطينيني عن املوارد الطبيعية التي اغتصبتها، ولم تحدد حدودها التي ال تزال مفتوحة حتى يومنا هذا. باإلضافة إلى ذلك، فقد رمت الكرة في امللعب الفلسطيني الذي يعاني االنقسام، في وقت تمكن فيه اإلسالم ًً سياسياالسياسي من ترسيخ وجوده في الساحة الفلسطينية، ليصبح منافسا ً ملنظمة التحرير الفلسطينية.ومؤسساتيا 

استقبل العالم هذا التحول بابتهاج غامر، وبرزت أمامه قوى السالم، التي شهدت نهايات إسرائيل األولى وبدايات إسرائيل الثانية في عصرها الذهبي، كقوة فاعلة قادرة على دفع النخب السياسية التقليدية في املجتمع اليهودي اإلسرائيلي نحو االنخراط في العملية السياسية مع الفلسطينيني. 

ومع تدفق مئات اآلالف من اليهود الجدد من دول االتحاد السوفيتي سابًقا إلى إسرائيل، واندماجهم في النسيج االجتماعي والسياسي والثقافي اإلسرائيلي، بدأت 

10 ايـة اســرائــيل نـواجـه؟

مرحلة جديدة من التنظيم السياسي واالجتماعي. كانت األقلية الروسية اليهودية ًا استنا ًدا إلى انتمائها اإلثني. وقد اعتبرتًا وثقافيالرائدة في تنظيم نفسها سياسي النخب االجتماعية والثقافية الشرقية من اليهود أن عددهم الضخم، الذي فاق املليون نسمة، يمثل تهدي ًدا ملحاوالت األشكناز للسيطرة على الدولة، خاصة بعد أن باتوا على 4 وشك أن يتحولوا إلى أغلبية داخل املجتمع اليهودي . 

تشكلت بداية نهاية حقبة األحزاب التقليدية داخل املجتمع اليهودي اإلسرائيلي، التي كانت تستند في السابق إلى مبادئ سياسية أيدلوجية ورؤى ذاتية للصهيونية واليهودية. ومع مرور الزمن، بدأت املرحلة االنتقالية نحو زمن ما بعد األحزاب، حيث بدأت تتشكل تجمعات جديدة حول شخصيات بارزة. وقد تجلى هذا التحول بشكل واضح مع خروج شارون من حزب الليكود وتأسيسه لحزب كاديما عام .2005 بعد اغتيال رئيس الوزراء السابق إسحاق رابني في الرابع من نوفمبر 1995 على يد أحد أفراد الحركات املتطرفة التي نمت وترعرعت تحت مظلة أيديولوجية كهانا، بدأ زح ٌف نحو اليمني يكتسح الساحة السياسية اليهودية بمختلف أطيافها، ليطغى على األجواء العامة في إسرائيل. في هذه األثناء، بدأ يظهر التفكك البطيء في صفوف حزب العمل. 

ً في إطارً فادحاوقد أدركت النخب السياسية اليهودية أنها ارتكبت خطأً استراتيجيا عملية أوسلو عندما سمحت لفلسطينيي الداخل بالتعبير عن انتمائهم الوطني بكل جالء، مما أفضى إلى إحياء هويتهم الفلسطينية املدفونة في أعماق الذاكرة. ً في عامي ٢٠٠٢ و،٢٠٠٣عندما تولى نتانياهو وزارة املالية في عام ،١٩٩٨ والحقا 

واعتلى عرش رئاسة الوزراء في عام ،١٩٩٩ بدأت إسرائيل تسير بخطى متسارعة نحو التخلي عن هويتها شبه االشتراكية، فتسللت خيوط االنحالل إلى مشروع الكيبوتس، الذي كان يمثل العمود الفقري االجتماعي إلسرائيل في بداياتها. في ظل حكم نتانياهو، اتجهت إسرائيل نحو نظام سياسي واقتصادي ليبرالي جديد، حيث 

4 للمزيد حول الديمغرافية في املجتمع اليهودي االسرائيلي انظر إلى دراسة عن الهوية العرقية لليهود في إسرائيل (‎2019)في منشورة Journal of Ethnic and Migration Studie 

11 ايـة اســرائــيل نـواجـه؟

ُسطر على مفاتيح االقتصاد الوطني، مما حول املشهدأصبحت الخصخصة ت 

5 االقتصادي إلى حالة من التغير العميق والجذري . 

في املرحلة الثالثة من تاريخ إسرائيل الثانية 2001 وحتى ،2005 بدأت مالمح االستراتيجية الصهيونية الجديدة تجاه القضية الفلسطينية تتضح بشكل جلي. استغلت النخب السياسية اإلسرائيلية أحداث االنتفاضة الثانية، بما تضمنته من 

تفجيرات داخل إسرائيل ومشاركة كافة القوى الوطنية واإلسالمية الفلسطينية، للتهرب من التزامات أوسلو. وأطلقت العنان لقطعان املستوطنني وما يعرف بالحركات اإلرهابية، لتجريف األراضي الفلسطينية وبناء املستوطنات، باإلضافة إلى شن عدوان همجي على املناطق الزراعية، مما أسفر عن تدمير املحاصيل واقتالع األشجار املثمرة. لقد بدأت املؤسسة األمنية الصهيونية تتشدد في قبضتها على الساحة الفلسطينية، مسلطة الضوء على تضييق مجاالتها وتقييد حركات قواها السياسية املتنوعة. في هذا السياق، شرعت قوات االحتالل الصهيوني في تنفيذ سلسلة من االغتياالت ضد الشخصيات العسكرية والسياسية الفلسطينية، حيث افتتحت هذه الحملة باغتيال القيادي الفتحاوي جمال عبد الرازق ومرافقيه الثالثة في غزة. وقد وصلت هذه االغتياالت إلى ذروتها عندما استهدفت أمني عام الجبهة الشعبية الرفيق أبو علي مصطفى في أغسطس ،2001 وكذلك الشيخ أحمد ياسني مؤسس حركة حماس في مارس ،٢٠٠٤ لتنتهي بإعدام القائد الكرزماتي لحماس، الشيخ عبد العزيز الرنتيسي، في السنة نفسها. وتستهدف هذه االغتياالت على نحو خاص القيادات امليدانية والسياسية والعسكرية للتنظيمني الرئيسيني في الساحة الفلسطينية، حماس وفتح. 

في 29 مارس ،2002 بدأت قوات االحتالل الصهيوني فرض حصار مشدد على الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات داخل املقاطعة، حيث تعرضت لتفجيرات متكررة بالصواريخ وتطويق بالدبابات وقوات أمنية متنوعة على مدار ثالث سنوات 

ًا. وفي خضم هذه األوقات العصيبة، وتحدي ًدا في يونيو ،2002 شرعت إسرائيلتقريب ِن عن هدفه املزعوم بحماية مواطنيفي بناء جدار الفصل العنصري، حيث أُ ْعل 

إسرائيل من املقاومة الفلسطينية وعملياتها في الداخل. ولكن، جاء مسار هذا الجدار ليكشف بوضوح األهداف االستعمارية للدولة الصهيونية، حيث ضم مساحات شاسعة من أراضي الضفة الغربية، وقطع سبل التواصل بني القدس الشرقية وشمالي 

 https://www.jstribune.com/krampf-the-netanyahu-doctrine/ 5 

12 ايـة اســرائــيل نـواجـه؟

وجنوبي الضفة. هذه األهداف االستعمارية، املبنية على املعادلة الصهيونية القديمة 6 "أرض أكثر وعرب أقل" ، توجتها إسرائيل بخطوة انسحابها األحادي الجانب من قطاع غزة في صيف ،2005 دون أي تنسيق أو مراجعة، مما أظهر نواياها الحقيقية بوضوح. 

ُعتبر هذه األعمال العدوانية التي يقوم بها الكيان الصهيوني ضد فلسطني وشعبها،ت 

ُعرف بإسرائيل الثالثة.في رؤيتي، الضربة القاصمة ملرحلة أوسلو وبدء مرحلة جديدة ت هذه املرحلة تتجاوز حدود الكيان نفسه وفهمه لذاته في تعامله مع الشعب الفلسطيني ً توجهاته تجاه املواطننيفي األراضي املحتلة عام ،1967 بل تشمل أيضا 

الفلسطينيني في األراضي املحتلة عام .1948 خالل مظاهرات التضامن مع إخوانهم في األراضي املحتلة عام 1967 خالل االنتفاضة الثانية، واجه الفلسطينيون في َل املؤسسة األمنية الصهيونية منذ عام 1976 في يومِبإسرائيل أقسى معاملة من ق األرض الخالد. فقد واجهت أجهزة أمن الدولة الصهيونية املظاهرات السلمية ملواطنيها ً في غضون أيام قليلة...بقوة السالح، وأسفرت هذه املمارسات عن قتل 13 فلسطينيا ليس بسبب آخر إال ألنهم فلسطينيون، وألن الدولة الصهيونية لم تعد تعتبرهم مواطنني. 

إضافًة إلى ما سبق، بدأت القوى السياسية الصهيونية، خالل األشهر األولى لالنتفاضة الثانية، تدرك بشكل متزايد قيمة "رأس املال العنصري" وتنافس فيما بينها لالستحواذ على هذه القاعدة... فقد أصبحت العنصرية تجاه الشعب الفلسطيني، في كل أرجاء فلسطني التاريخية، تجلب الربح السياسي واالجتماعي للحركات السياسية الصهيونية. في الوقت ذاته، بدأت حركات السالم داخل املجتمع اليهودي تتقوقع على نفسها وتتشبث بماضيها، مما أسفر عن مسار انحالل مؤسساتي لهذه 7 الحركات، حيث بدأ يتضح تقلص دور بعضها واندثار البعض اآلخر . هذه الحقيقة ً على الصعيد العاملي الغربي،ً كافيا،ً لم تلقَ اهتماماً إسرائيلياالتي أصبحت واقعا 

كما أنها لم تجد ص ًدى في املستوى اإلقليمي العربي، وخصو ًصا الفلسطيني. لذا ما زلنا نسمع صدى مصطلح قوى السالم يتردد في السنة أولئك الذين ال يزالون يعيشون في وهم أوسلو وحنني السالم. يتولى قيادة هذا التقييم االستراتيجي 

6 للتعمق بهذه االستراتيجية انظر إلى كتاب نور الدين مصالحه الصادر عن مركز الدراسات الفلسطينية بعنوان: Expulsion of the Palestinians: The Concept of ‘Transfer’ in Zionist Political Thought,  1882–1948 

7 Yoram Peri; The Failure of the Israeli Peace Movement, 1993–2000 13 ايـة اســرائــيل نـواجـه؟

،ً حتى يومنا هذا،الخاطئ الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الذي ما زال متمسكا بمعادلة مدمرة؛ إذ يرى أن بديل املفاوضات هو املفاوضات ذاتها... وذلك في غياب ُذكر على الجانب اإلسرائيلي.استراتيجية فلسطينية واضحة وبدون شريك حقيقي ي 

إسرائيل الثالثة، تلك التي نواجهها في وقتنا الراهن، تختلف تم ًاما عن تلك الصورة ُسجت من خيوط املرحلة الثانيةالتي يروج لها اإلعالم العربي والغربي، والتي ن 

إلسرائيل في أذهان النخب السياسية الفلسطينية والعربية والغربية. لقد شهدت إسرائيل تحوالت عميقة على األصعدة االجتماعية والسياسية واأليديولوجية واالستراتيجية. 

اليوم، نقف أمام مجتمع يهودي إسرائيلي قد تغيرت مالمحه االجتماعية بشكل جذري، حيث تبدلت التركيبة اإلثنية والطبقية فيه. إن واقع إسرائيل الثالثة يختلف تم ًاما عن األوضاع االقتصادية التي سادت في املرحلة األولى من إسرائيل الثانية. ًاُعتبر إسرائيل اليوم نموذ ًجا نقيفرغم االزدهار االقتصادي الذي يتفاخر به البعض، ت للنيوليبرالية، حيث يتسع الفارق بني الطبقات االجتماعية يوما بعد يوم، ويزداد عدد الفئات التي تعاني تحت وطأة الفقر بصورة مستمرة. وقد أصبحت إسرائيل، في صورتها الثالثة، تتصدر قائمة الدول الصناعية من حيث نسبة الفقر بني األطفال.8 تعيش إسرائيل الثالثة مراحل عاصفة من أزمة سياسية مزمنة، نتيجة تحول نخبها السياسية من بناء أحزاب وحركات سياسية تستند إلى أيديولوجيات راسخة، إلى تشكيل أحزاب مبنية حول شخصيات بارزة تتالشى بريقها وحضورها بسرعة، لتختفي في غياهب النسيان. لقد تجلت هذه الظاهرة بشكل واضح في األزمات املتكررة لتشكيل الحكومات في السنوات األخيرة. وتظهر لنا العقد املاضي أن هذا الوضع قد أصبح السمة السائدة، وأنه في تزايد مستمر، مما يثير القلق حول مستقبل الحياة السياسية في إسرائيل. 

إلى جانب كل ما سبق، انتقلت إسرائيل من مجتمع يتميز بتعددية سياسية تضم اليمني والوسط والديني والعلماني، مع حركات تسعى إلى السالم مع الجيران ًا، إلى مجتمع يتصارع فيه الخطاب الراديكاليوتحقيق التضامن االجتماعي داخلي 

ًا في هذا اإلطارًا تقريبوالعنصري بشك ٍل متف ٍش. أصبح العمل السياسي محصور 

https://en.globes.co.il/en/article-israel-has-second-highest-poverty-rate-in- 8 oecd-1001497127 

14 ايـة اســرائــيل نـواجـه؟

ُقيم إسرائيل نظام أبارتهايد متكامال،ًالضيق. في األراضي املحتلة منذ عام ،1967 ت ًا بامتياز تجاه األقلية الفلسطينية، وتتجه بسرعةُمارس نظ ًاما عنصريوفي الداخل ت 

9 نحو ترسيخ نظام األبارتهايد أي ًضا داخل حدودها . كل ذلك يتطور بمباركة ودعم جميع النخب السياسية اليهودية الصهيونية دون استثناء. في مرحلة إسرائيل الثالثة، ُسن قوانني تمييزية في مجاالت متنوعة مثل االقتصاد، السكن، التعليم، وحق امللكية،ت 

ُمارس ضد األقلية الفلسطينية، حتى أصبح الفلسطينيون في الداخل محرمنيت 

10 11 تقريبا من السكن في نحو 900 بلدة وحارة يهودية في إسرائيل . ال يمكن أن تمر هذه التحوالت العميقة التي شهدتها إسرائيل الثالثة، دون أن تترك بصماتها الجذرية على الهيكلية السياسية واالجتماعية واأليديولوجية للمجتمع اليهودي اإلسرائيلي. 

كان لرئيس الوزراء السابق والحالي، بنيامني نتانياهو، دور بارز في عملية انتقال ُعتبر نتانياهو املهندس الرئيسيإسرائيل من املرحلة الثانية إلى املرحلة الثالثة. ي 

واملخطط الرئيسي لهذا االنتقال، ليس فقط ألنه وضع استراتيجية جديدة للتحول نحو نظام اقتصادي نيوليبرالي من خالل خصخصة مؤسسات وشركات الدولة، ووقف الدعم عن الكيبوتسات الذي أدى إلى تآكل معظمها، وتقليص خدمات الرعاية االجتماعية، بل ألنه أي ًضا أدرك في وقت مبكر أن الصهيونية التقليدية قد وصلت إلى نفق مسدود، وصارت عائًقا، وفقا لرؤيته، أمام تقدم الدولة واملجتمع اليهودي. هو من وضع األساس للصهيونية الجديدة برؤيتها واستراتيجياتها وقواعدها املتجددة، لذا ُطلق عليها وصف "النتانياهوية".أ 

منذ منتصف التسعينات من القرن املاضي، بدأت العديد من النخب اليهودية في إسرائيل تعي معضلة الصهيونية التقليدية، وامتد األمر ببعضهم إلى ما هو أبعد، 

 “A Threshold Crossed: Israeli Authorities and the Crimes of Apartheid and Persecution” 9 (2021) 

10 بوفسور يوسف جبارين من قسم التخطيط واإلعمار في جامعه التخنيون اعد هذه الدراسه التي اقتبستهاجريدة اسرائيلية 

https://www.haaretz.com/israel-news/2017-11-30/ty-article/.premium/israel-fences-in-arab towns-then-complains-of-illegal-construction/0000017f-f64d-d460-afff-ff6f7ebd0000 

11 التقرير الكامل حول القوانين العنصرية التي تم سنها في اسرائيل خلال السنوات الماضية تجدونه على موقع .الفلسطيني الداخل في عدالة https://www.adalah.org/ar/content/view/1169 

15 ايـة اســرائــيل نـواجـه؟

السيما بعد اغتيال رئيس الوزراء السابق إسحاق رابني على يد يهودي متطرف، حيث 12 تناولوا بجرأة فكرة نهاية الصهيونية . 

ًا، حيث تزامن ذلك مع وصولشهدت بنية املجتمع اليهودي في إسرائيل تحوًال جذري 

أكثر من مليون مهاجر جديد من الدول التي كانت تشكل االتحاد السوفييتي سابًقا، باإلضافة إلى الزيادة امللحوظة في عدد اليهود الذين نشأوا وترعرعوا في األراضي اإلسرائيلية. هذا الوضع أدى إلى ابتعاد شريحة كبيرة من اليهود عن الفكر الصهيوني، فأصبح من الصعب تصنيف الصهيونية كإيديولوجية وطنية موحدة، بل ُنظر إليها كـ"نوستالجية وطنية" تحمل في طياتها ذكريات املاضي أكثر منباتت ت 

كونها مشروًعا طمو ًحا يجمع شمل الجميع. 

في الوقت ذاته، تزايدت النظرة السلبية تجاه الصهيونية على النطاق العاملي، وذلك منذ صدور قرار األمم املتحدة رقم 3379 في نوفمبر ،1975 الذي وصف الصهيونية بأنها حركة عنصرية. هذه النظرة لم تتوقف عند هذا الحد، بل تفاقمت مع بدء بريطانيا في فتح أرشيف االنتداب البريطاني في فلسطني، مما أتاح للباحثني، بما في ذلك اليهود في إسرائيل، فرصة االطالع على الوثائق التاريخية لفترة تأسيس الدولة. وقد تمكن املؤرخون، مثل نور الدين مصالحة واإلسرائيلي إيالن بابه وآخرين، من تسليط الضوء على خفايا املجازر والتطهير العرقي املنهجي الذي نفذته ميليشيات الصهيونية منذ بداية تواجدها في فلسطني. 

تزايدت النظرة السلبية تجاه الصهيونية في العالم مع تنامي التضامن الدولي مع االنتفاضة الفلسطينية األولى. في خضم هذا الواقع املعقد الذي كانت تعيشه دولة االحتالل وأيديولوجيتها، بدأ التفكير يتأمل في سبيل للخروج من هذا املأزق. سعت القيادة الصهيونية التقليدية إلى اإلفالت من هذا املأزق من خالل ربط ّف الصهيونية كحركةُصنمشاركتها في مؤتمر مدريد بإلغاء قرار األمم املتحدة الذي ي ِ د هذا اإلنجاز للتيار الصهيوني فيُععنصرية، وقد تحقق لها ذلك. ومع ذلك، لم ي 

املجتمع اليهودي في إسرائيل ما فقده من زخم، ولم يعدل الكثير من آراء النخب ُع ّدل مناليهودية حول تالشي تأثير الصهيونية على حياتهم في إسرائيل، كما أنه لم ي نظرة املجتمع الدولي تجاه هذا املوضوع. وظل هذا القرار، وهذا اإلنجاز، محصورين في أروقة السياسة الرسمية فقط. 

 Moshe Zimmermann; Das Ende des Zionismus? 12 

16 ايـة اســرائــيل نـواجـه؟

نتانياهو، الذي أدرك أن هذا التطور يمثل فرصته لتقديم أيديولوجية جديدة، وبالنظر إلى التغيرات الجذرية التي تشهدها إسرائيل ومنطقة الشرق األوسط والنظام العاملي، أصبح لديه دافع قوي للتقدم بخطوات متسارعة نحو مشروعه إلسرائيل الثالثة. 

فيما يتعلق برؤية إسرائيل لذاتها وعالقتها بالشعب الفلسطيني وقضيته، باإلضافة إلى مكانتها في الشرق األوسط، فإن األيديولوجية الجديدة التي صاغها نتانياهو تبتعد بشكل واضح عن الصهيونية التقليدية التي شكلت األساس لبناء الدولة ومؤسساتها على مر العقود. فقد كانت الصهيونية األولى هي القوة املهيمنة على املجتمع اليهودي والنخبة السياسية في إسرائيل خالل مرحلتها األولى والثانية. 

إن الفارق الجوهري بني الصهيونية الحديثة، وتلك التقليدية يتجاوز السطح ليعكس ًا في االستراتيجيات األساسية، وباألخص فيما يتعلق بالقضيةتحوًال جذري 

الفلسطينية، وكل ما يرتبط بالشعب الفلسطيني. يمكننا تلخيص التغيرات العميقة التي أفرزها هذا التغيير األيديولوجي في املجتمع اليهودي داخل إسرائيل من خالل النقاط التالية: 

أوال،ً في الجغرافيا التي تتداخل بني األردن وإسرائيل ومصر، ال يمكن أن تسمح إسرائيل قيام كيان فلسطيني يتمتع بالسيادة الكاملة. 

،ً هناك ارتباط موضوعي واستراتيجي عميق بني الصهيونية الجديدة وفكرةثانيا 

ً لدولة يهودية صهيونية بامتياز.ً صارخاُعتبر إسرائيل نموذجايهودية الدولة؛ حيث ت ً علىَط مفهوم املواطنة الكاملة بيهودية الدولة، مما يجعل هذه املواطنة حكراْبُر،ً يثالثا من ينتمي إلى الديانة اليهودية. 

،ً يمكن إلسرائيل أن تدخل ساحة الشرق األوسط دون الحاجة إلى حل القضيةرابعا 

الفلسطينية. 

ُعتبر هذه النقاط األربعة بمثابة العمود الفقري ملفهوم النيتانياهوية، ال سيما فيت 

رؤيتها لذاتها اليهودي في إسرائيل ومكانتها في الشرق األوسط، باإلضافة إلى نظرتها إلى مستقبل القضية الفلسطينية. 

ألول وهلة، قد تبدو هذه النقاط وكأنها تعكس جوهر الصهيونية التقليدية، وأن النخب ً لتلك املعايير. لكن الحقيقة تتجلىاليهودية الصهيونية في إسرائيل لطاملا عملت وفقا في أن هذه النقاط األربعة تمثل استراتيجية أيديولوجية هجومية جديدة، في وقت 

17 ايـة اســرائــيل نـواجـه؟

تواجه فيه إسرائيل إحدى أصعب مراحل تاريخها، بينما يشهد اإلقليم تحوالت معقدة وغير مسبوقة. في خضم التغيرات الجذرية واالنحرافات التي تعصف بالنظام العاملي، نالحظ منذ انطالق تجسيد هذه النقاط أن إسرائيل الثالثة قد بدأت تحقق إنجازات نوعية متميزة في هذا السياق . 

اإلعالن عن "كيان فلسطيني" أو دولة فلسطينية ذات سيادة محدودة على األراضي املحتلة منذ عام ،1967 مع استبعاد أجزاء من القدس الشرقية وفًقا للرؤية ًا ضمنالصهيونية، كان يتعارض بشكل جذري، وفي تفاصيله، مع ما كان متجذر 

األعراف الدولية، بعي ًدا عن قبول الطرف الفلسطيني، بل وأي ًضا بعيد املنال عن بعض العرب. هذا ما كانت تدركه النخب الصهيونية التقليدية بوضوح. تلك اإلدراكات ًا ال يتجزأ من استراتيجية النخبة السياسية الصهيونية اليهوديةالضمنية كانت جزء 

ًا ورهينة دسمة بيدها،التي كانت ترى في األراضي املحتلة عام 1967 كنزًا ثمين 

تستغلها كأداة للمساومة مع العرب والفلسطينيني في حال تم الوصول إلى اتفاقية تسوية. ورغم كونها رؤية غير مكتملة ومتعارضة مع الطموحات الفلسطينية، كانت تنظر إلى حل الدولتني كخيار مقبول ضمني. نعم، الصهيونية األولى لم تحدد حدود إسرائيل النهائية، وكانت لها أطماع جيوسياسية في األراضي العربية والفلسطينية... كانت تسعى جاهدة إلى تقليص سيادة الدولة الفلسطينية التي كانت تدعي القبول في بنائها، وهذا ما الحظناه بوضوح خالل مجريات محادثات أوسلو وما تالها من مفاوضات بني الجانبني الفلسطيني واإلسرائيلي. إال أن القيادة الصهيونية التقليدية كانت تدرك في عمق وجدانها أنها لن تتمكن لألبد من تقليص األراضي والسيادة للدولة الفلسطينية املستقبلية، في ظل املعايير التي تفرضها القوى الدولية واالصطفافات اإلقليمية في الشرق األوسط. 

إنّ العقيدة النتانياهوية قد وضعت قيوًدا صارمة على السيادة، حيث أصبحت العناصر األساسية مثل (رقعة جغرافية، حدود، معابر، أجواء فضائية، موارد طبيعية...) حجر الزاوية في استراتيجيتها العدوانية تجاه القضية الفلسطينية. وقد أعلنت بفجاجة أنها ضد إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة. كما أدركت الصهيونية ًا شبه ميت، وأن االنقسامالجديدة بوضوح صارم أن منظمة التحرير قد أصبحت كيان 

ًا لفترة طويلة في املستقبل، بينما أضحت القيادةالفلسطيني سيظل مستمر 

الفلسطينية املتنفذة مرتبطة مصيرها السياسي واالقتصادي باالحتالل. لقد لجأت القيادة الفلسطينية بتصرفاتها األنانية ومحاولة الحفاظ على وجودها الفيزيائي إلى فتح األبواب أمام محاوالت االبتزاز من الجانب اآلخر بال أي تحفظ. فقد أدركت 

18 ايـة اســرائــيل نـواجـه؟

النتانياهوية بسرعة كيف يمكن استثمار الظروف الراهنة، خاصة أن األسماء املرشحة ُظهر استعدا ًدا للتعايش مع هذا الحللتولي القيادة بعد الرئيس محمود عباس ت 

الناقص الذي تقدمه النتانياهوية، أو ما يشبهه . 

تسعى إسرائيل بشغف إلى تكثيف استيطانها، وخاصة في مناطق ج والقدس ًالشرقية، تمهي ًدا لضمها بشكل نهائي إلى الدولة الصهيونية، وهذا ال يعدو كونه جزءا من استراتيجيتها الشاملة. كما أن نقل السفارة األمريكية إلى القدس ومحاوالت ًا على هذهالقضاء على األنروا وتضييق الخناق عليها قد أضفى ز ًخما إضافي االستراتيجية املاكرة. 

بحسب مفهوم الصهيونية الجديدة، يتمثل "حل الدولتني"، في أفضل تجلياته، في إنشاء كيان فلسطيني، قد يختار الفلسطيني تسميته إمبراطورية أو دولة أو غير ذلك، ًا في إطار سيادة وإرادة محدودة. هو مجرد إدارة ذاتية للمدنلكنه يبقى محصور 

ُعنى بشؤون الحياة اليومية، معالفلسطينية الكبرى فقط، أقل من الحكم الذاتي، ت 

رموز سياسية تهدف إلى خداع الفلسطينيني واملجتمع الدولي لالعتقاد بوجود "دولة فلسطينية" . 

تتجلى الصهيونية الجديدة في إصرارها على إقامة نظام فصل عنصري، أبارتهايد، في األراضي الفلسطينية املحتلة منذ عام ،1967 وهي ال تتردد في اإلفصاح عن ً تسربت أفكاره بنجاح إلى األذهانً أمنياتلك الحقيقة. وقد وجدت لهذا املشروع تبريرا 

الغربية. والدليل على ذلك هو عدم وجود أي تحرك فعلي يعرقل مساعي إسرائيل في بناء نظام األبارتايد على األرض الفلسطينية. لقد باشرت دولة االحتالل في تنفيذ مشروعها إلنشاء طرق التفافية تسهل حركة املستوطنني بني مستوطناتهم واألراضي ًالصهيونية، متجنبني املرور عبر القرى واملدن الفلسطينية. فهذه الشوارع حصرا محصورة في استخدام اإلسرائيليني فقط. ومع بناء جدار الفصل العنصري، ترسخت أكثر من أي وقت مضى منظومة قضائية تميز بشكل صارخ بني األفراد الذين يتقاسمون نفس الجغرافيا تحت نظام سياسي وإداري واحد. ما أقصده هو النظام القضائي الذي يسري على الفلسطيني واإلسرائيلي في مناطق ج ومناطق من األراضي الفلسطينية املحتلة. إن هذه التجليات في الواقع قد قللت من سيادة ُبررالفلسطينيني على أرضهم وشعبهم ومواردهم، وهي تتزايد بشكل يومي. وت الصهيونية الجديدة ونخبها السياسية هذه اإلجراءات التي تنقص من السيادة ّد اإلرادة الفلسطينية، على أنها تدابير لحماية أمن الدولة اليهوديةالفلسطينية، وتقي 

ومواطنيها. وعلى الرغم من أن هذه السياسات تمثل انتها ًكا صار ًخا لحقوق اإلنسان 19 ايـة اســرائــيل نـواجـه؟

الفلسطيني، وتتناقض مع القوانني الدولية واألعراف، إال أنها قد أصبحت مقبولة ًا في األوساط السياسية العاملية... وال تخشى إسرائيل الثالثة أي عقوبة أوضمن 

إجراءات قانونية أو اقتصادية أو دبلوماسية ضدها. تسعى إسرائيل الثالثة من خالل أيديولوجيتها الجديدة إلى تقديم هذه السياسات على أنها استراتيجية "تقليص 13 للصراع" . 

بهذا الشكل، قامت إسرائيل الثالثة بتغيير جوهري في املفهوم واالستراتيجية التي كانت سائدة في املرحلتني الثانية والثالثة من إسرائيل الثانية، حيث كان التركيز على مفهوم "إدارة الصراع". أما اليوم، فقد تالشت األحاديث الجادة حول إيجاد حل للقضية الفلسطينية أو إدارة الصراع الفلسطيني اإلسرائيلي، ليحل محلها تداول "مصطلح "تقليص الصراع". 

لقد جرى استبدال مفهوم دحر االحتالل من أجل تحقيق األمن والهدوء في املنطقة ُحتل، ليصبح هذا األخير الهم األهم والهدف الرئيسي لتقليص زخم الصراع،بأمن امل 

وتفادي انفجار شعبي في األراضي الفلسطينية املحتلة . 

إن العالقة املعقدة والجوهرية بني الصهيونية الجديدة واليهودية تستدعي التأمل العميق. فقد استغلت الصهيونية األولى الدين اليهودي بطريقة تتالعب بمكوناته، كما أشار إلى ذلك عدد من املفكرين اليهود البارزين مثل موشيه تسوكرمان وموشه زاند والفيلسوف هيروفتس وغيرهم. وقد كانت هذه االستفادة متبادلة، مما يعكس تداخل ِر الدين من قبل الصهيونيةْمُثُ ْستاملصالح بني الصهيونية والديانة اليهودية، حيث ا 

التقليدية لخدمة أهداف سياسية واجتماعية . 

كانت الصهيونية في مراحلها األولى تتأرجح على شفير االنهيار، حتى اكتشفت األبعاد الدينية وأهميتها البالغة في دمجها مع األيديولوجية الصهيونية. فقد أسهمت اليهودية، السيما من الجهات الحريدية مثل الحاخام كوك، في توسيع قاعدة هذه الحركة داخل شرائح مجتمعية يهودية، خاصة في أوروبا، حيث كانت قد تعرضت للفشل عندما قدمت نفسها كحركة علمانية. كما أن العالقة هذه جلبت فوائد كبيرة ً علىلليهودية ومؤسساتها الالهوتية. إن إحياء اللغة العبرية، التي كانت حكرا األوساط الدينية اليهودية، منح دفعة قوية إلعادة إحياء الدين اليهودي، وأعاد له مكانته السامية في صميم الحياة االجتماعية اليهودية. إال أن العالقة بني الديانة .ً فقد تجسدت الصهيونية علىاليهودية والصهيونية ال تزال تعاني برود شديدا 

 Micah Goodman; Shrinking the Conflict: Israeli Policy Toward the Palestinians 13 20 ايـة اســرائــيل نـواجـه؟

األرض، ال سيما خالل فترة التطهير العرقي في فلسطني، بشكل علماني بحت. في البداية، في فترات تأسيس إسرائيل األولى والثانية، ظهرت أحزاب وحركات دينية أطلقت على نفسها مسميات تتضمن "أحزاب دينية قومية" أو "دينية وطنية"، دون أن تسمي نفسها "أحزاب صهيونية دينية". وقد انخرط املتدينون اليهود الصهاينة في العمل السياسي من خالل األحزاب الكبرى املعروفة مثل العمل والليكود، وخصو ًصا ضمن صفوف األخير. وقد أدرك نتانياهو أهمية الربط االستراتيجي العميق بني اليهودية والصهيونية، وسعى إلى تحويل هذا الربط إلى مفهوم ضمني في الصهيونية الجديدة، عاز ًما على نزع الغطاء العلماني عن الصهيونية ليفسح املجال لكل حزب أو حركة سياسية يهودية في إسرائيل لالنخراط على نحو مباشر فيها. سعى نتانياهو ًا ال يتجزأ من الهوية اليهودية، بحيث تكون مكملة لها كماإلى جعل الصهيونية جزء 

هي العكس. لكن طموحاته لم تتوقف عند هذا الحد، بل أراد أي ًضا أن تتجلى الصهيونية الجديدة بصورة مغايرة، خالية من العوائق السلبية التي الحقت الصهيونية التقليدية. وقد أتاح تزايد ظاهرة الالسامية في أوروبا وأمريكا لنتانياهو ومفكري الصهيونية الجديدة فرصة فريدة إلعادة تشكيل خطابهم السياسي األيديولوجي، ًا يتكون من اليهودية والصهيونية والالسامية.ًا استراتيجيًا سحريحيث نسجوا مثلث ومع تصاعد الحديث حول انتشار الالسامية في العالم، بدأت النخب السياسية الصهيونية تركز سياستها الخارجية بشكل متزايد حول هذه القضية بالذات. ًا وثيًقا بالقبول غير املشروطُعتبر مرتبطة ارتباطًا، باتت مناهضة الالسامية تتدريجي 

لليهودية كدولة وللصهيونية الحديثة. لقد أصبحت املعادلة واضحة في السياسة املتعلقة بفهم إسرائيل والتعاطي معها: إذا كنت ترغب في أن تكون مناه ًضا للسامية بصدق، فال بد أن تقبل يهودية الدولة دون أي قيد، وأن تدعم التوجهات السياسية للنخب الصهيونية الجديدة. وقد نجحت جهود نتانياهو في ترسيخ هذا املثلث ًا للسامية فياأليديولوجي، بعد أن أصدر "التحالف العاملي لذكرى املحرقة" تعريف مؤتمر بودابست عام ،٢٠١٥ ليشمل أي ًضا العداء لسياسة إسرائيل ونخبها ًا مع بعض14 السياسية . لقد تم اعتماد هذا التعريف املتجدد ملعاداة السامية، وأحيان التعزيز، من قبل حكومات ومجالس نواب في أوروبا وأمريكا. أصبح مجرد تأييد مطالب الفلسطينيني في استعادة حقوقهم األساسية، التي كانت في السابق تشكل ًا من الخطاب السياسي العاملي الرسمي واإلعالمي والثقافي العلمي، ال سيماجزء 

ُصنف اآلن كمظهر من مظاهر معاداة السامية. إن النجاح الباهر للفكرفي الغرب، ي 

14 International Holocaust Remembrance Alliance 

21 ايـة اســرائــيل نـواجـه؟

النتنياهوي قد رسخ الصهيونية الجديدة كأيديولوجية تتبناها جميع الحركات السياسية والدينية اليهودية في إسرائيل دون استثناء. وقد جاء إقرار قانون يهودية الدولة بدعم هائل من النخب السياسية الصهيونية ليؤكد هذا االتجاه الجديد، ويدعم تبني الصهيونية الجديدة كبديل للصهيونية التقليدية . 

َلِبإن االعتراف بيهودية الدولة الصهيونية في هذه املرحلة التاريخية الحرجة من ق ً لهذاَل بعض الدول العربية واإلسالمية وفقاِبمعظم الدول الغربية، وقبول التطبيع من ق ً استراتيجية خطيرة. لقد شهدنا على مرالتعريف الجديد، يحمل في طياته أبعادا 

ً في همجية االستيطان في األراضي الفلسطينية تحتالسنوات املاضية تصاعدا 

ُفترض أنُعتبر هذه األرض وفقا لفهمهم، أراضي تلمودية يهودية يذريعة األمن، حيث ت لليهود حق استيطانها. وقد تجّلى هذا البعد االستراتيجي في حرب اإلبادة التي تنفذها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس. مع االعتراف بيهودية الدولة، تكتسب إسرائيل الحق في الدفاع عن هويتها اليهودية، وكما ً لليهودية،ُعتبر تهديداهو معروف، فإن الديمغرافية الفلسطينية من منظور صهيوني ت مما يتيح لها تبرير أعمال اإلبادة الجماعية أو التهجير في مواجهة هذا التحدي الديمغرافي . 

تمكنت الصهيونية الجديدة التي أبدعها نتانياهو من إفراغ أهم سالح دبلوماسي كانت تسيطر عليه السياسة الفلسطينية في مواجهة الصهيونية في الساحات الدولية... ذلك السالح الذي يكشف الصهيونية كحركة عنصرية. وأصبح استعادة األوضاع إلى ما كانت عليه قبل التخلي عن هذا السالح قبل انعقاد مؤتمر مدريد ً من ضروب املستحيل .للسالم ضربا 

إقامة عالقة وثيقة بني مفهوم املواطنة في إسرائيل ويهودية الدولة تجسدها "قانون القومية" الذي أقره الكنيست اإلسرائيلي في عام ،2018 والذي يمثل ذروة التحول نحو إسرائيل الثالثة. على الرغم من أن هذا القانون أُقر بتصويت 62 مقابالً ،55 وامتناع عضوين عن التصويت من أصل ،120 إال أن املعارضة اليهودية الصهيونية لم تنطلق من مبدأ االعتراف بوجود مواطنني من ديانات غير اليهودية في إسرائيل، 15 وتداعيات هذا القانون على حقوق مواطنتهم . بل جاءت معارضتهم، كما أشار 

https://en.idi.org.il/about/about-idi/?utm_source=chatgpt.com. And more in : Honaida 15 Ghanim (2021) Israel’s Nation-State Law: Hierarchized Citizenship and Jewish Supremacy”  

22 ايـة اســرائــيل نـواجـه؟

رئيس الدولة السابق ريفلني وآخرون، من قلقهم العميق على الطابع الديمقراطي إلسرائيل وكيفية نظر العالم إليها في املستقبل. أستاذ القانون في الجامعة العبرية بالقدس ألون هارل ذهب أبعد من ريفلني وبني املخاطر الحقيقية التي يرسمها ِ حلبًةنتانياهو مع تمرير هذا القانون، وقال "سيجعل القانون أفر ًعا مختلفًة من الدولة ُحدد فيه املصالح االقتصادية واأليديولوجية مجال وفحوى الثقافة والتراث اليهودينيت 

عوضا عن تعزيزه لليهودية." . 

استغرق تمرير هذا القانون سنوا ٍت طويلة من النقاشات العميقة بني املجتمع اليهودي واملجتمع الفلسطيني في إسرائيل. وقد شكل إقراره محطة محورية في عالقات الدولة اليهودية باألقلية الفلسطينية في إسرائيل. لم يسلط القانون الضوء مجد ًدا على القيم التي كانت سائدة في الصهيونية األولى فحسب، مثل شعارات ورموز الدولة اليهودية، 

ً أسقط مكانة اللغة العربية إحدى اللغات الرسمية إلى جانب العبرية. وفيبل أيضا ُذكر غير اليهود بكلمة واحدة، مما يبرزاملبادئ األساسية الثالثة لهذا القانون، لم ي 

كد بشكل حازم على أنالتفرد واالستبعاد في السياسة القانونية. على النقيض، أُِّ 

ُعتبر حق تقرير املصير فيها حًقاإسرائيل تمثل دولة "الشعب اليهودي"، حيث ي ًا لليهود وحدهم. وبالتالي، أضحى الفلسطينيون في إسرائيل مجرد ضيوفحصري 

في هذه الجغرافيا، حيث ترتبط إقامتهم وحقوقهم املمنوحة لهم بسلوكهم ووالئهم ليهودية الدولة، كما جاء الحًقا في قانون الوالء الذي تم إقراره ليعزز مشروع قانون القومية . 

موقع إسرائيل في قلب الشرق األوسط ... منذ نشأتها، سعت إسرائيل، بكل السبل ًا من مجموعة دول الشرق األوسط. إال أن تاريخ تأسيسًا عادياملتاحة، ألن تكون جزء الكيان الصهيوني، الذي ارتكز على اقتالع السكان األصليني والتنكيل بهم، وتثبيت االحتالل واغتصاب األراضي بالقوة، قد حال دون تحقيق الهدف املنشود للصهيونية، والذي تجسد في العالقات الطبيعية مع شعوب املنطقة العربية. وقد أصبح التقدم في هذا امللف معل ًقا بشكل حصري على إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية . 

وقد أدركت النخب السياسية الصهيونية في مرحلتيها األولى والثانية أن السبيل إلى االنضمام الفعلي إلى نادي دول الشرق األوسط يمر عبر تقديم حل مقبول للقيادة الفلسطينية والقيادات العربية فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية . 

إن الصهيونية الجديدة، وال سيما بعد التحوالت العميقة التي شهدتها الساحة الفلسطينية من انقسام جغرافي واجتماعي واقتصادي، فضالً عن التغيرات الجذرية 

23 ايـة اســرائــيل نـواجـه؟

التي طالت اإلقليم عقب انتصار حزب اهلل املدعوم من إيران في حرب ٢٠٠٦ ، قد رصدت تغيرات استراتيجية مركزية أخرى بالغة األهمية دفعتها للتأمل في إعادة صياغة استراتيجيتها لتحديد موقعها في خريطة الشرق األوسط . 

ُعرفمن التحوالت العميقة التي اجتاحت اإلقليم وساحة فلسطني مع بدايات ما ي بإسرائيل الثالثة، برزت عدة معالم بارزة : 

تالشى شعور الثقة لدى الجماهير الفلسطينية تجاه القيادات السياسية، وانخفضت رغبتها في االنخراط الفّعال في العمل الوطني والنضال اليومي. كما شهدت ،ً مما أفقدها مكانتها كهوية جامعة لكلً ملحوظامؤسسات منظمة التحرير تشرذما 

أبناء الشعب الفلسطيني، في حني استحوذت السلطة الفلسطينية على موقع الصدارة عوضا عن م ت ف، مما أضعف الروابط الوطنية بني صفوف الفلسطينيني . لقد ألقى الخوف بظالله على بعض الزعامات العربية نتيجة لتزايد نفوذ إيران وبرنامجها النووي، مما أتاح املجال لتشكيل اصطفافات تكتيكية جديدة في فضاء الشرق األوسط. في ظل تراجع دور الواليات املتحدة األمريكية في املنطقة، بات قلق بعض الزعماء العرب، وخصو ًصا في الخليج، يعتمل في صدورهم من احتمال زعزعة عروشهم سواء من الداخل أو الخارج . 

ُسمى بالربيع العربي، وتفاقم بفعل االنهيارات املتتاليةلقد بدأ االنقسام العربي بما ي 

والحرب على سوريا، التي عانت الفشل، وزاد أي ًضا نتيجة للحرب على اليمن. هذا االنقسام، الذي يتجلى في مشهد عربي مزدوج األبعاد، مهد الطريق لتشكيل تحالفات جديدة في نادي دول الشرق األوسط، كما أتاح أي ًضا إلسرائيل الثالثة أن ًا في هذا املشهد املعقد .ًا مؤثرتؤدي دور 

في قلب هذا التحول الجذري الذي وقع، ال سيما في املرحلة االنتقالية من إسرائيل الثالثة ٢٠٠٩ - ،٢٠١٢ بدأت الصهيونية الجديدة في رسم مالمح استراتيجيتها املتجددة في موقفها بالشرق األوسط. وكأنها رست على شواطئ جديدة، شرعت الصهيونية الجديدة في صياغة أفكار ورسم خطط بديلة لدخولها إلى نادي دول 

الشرق األوسط، حيث تجّلت أمام عينيها االصطفافات الحديثة التي نشأت في ما ُعرف بالربيع العربي، لتغرس جذورها في الخليج العربي، وتستقر في شمالي 

أفريقيا. 

24 ايـة اســرائــيل نـواجـه؟

توجت هذه االستراتيجية بنجاح باهر، حيث تم تحقيق مبدأ التطبيع العربي مع دولة االحتالل في إطار هويتها األيديولوجية املتجددة، النتانياهوية، دون أي معارضة لرؤيتها العنصرية تجاه ذاتها وبرامجها الرامية إلى القضاء على القضية الفلسطينية. لقد كان هذا النجاح للصهيونية الجديدة بمثابة الخشبة األخيرة التي ُدقت في نعش الصهيونية التقليدية . 

ًا وحركات ال تجد من يثير االعتراضًا وأحزابفي إسرائيل الثالثة، نجد مجتم ًعا يهودي 

على الخطوط العريضة للصهيونية الجديدة... بل على العكس، أصبح الجميع يتبنى هذه االستراتيجية، ويقوم ببناء برامجه السياسية واالجتماعية واالقتصادية والدينية وفًقا لها . 

إسرائيل الثالثة التي تحتضن أيدلوجية نتنياهو كإطار رسمي لها هي التي نواجهها ًا أو حركات تدعو إلى حل الدولتني كما تنص عليهاآلن. في هذه الدولة، ال نرى أحزاب 

القرارات الدولية، أو كما يتطلع إليه الشعب الفلسطيني... باإلضافة إلى ذلك، ال يوجد من يعارض بشكل جذري يهودية الدولة، أو ينكر "الحق التاريخي الديني" لليهود في جميع أرجاء فلسطني التاريخية. في إسرائيل الثالثة، نجد فقط أفرا ًدا متباينني يعبرون عن معارضتهم للمشروع االستيطاني االستعماري في األراضي العربية والفلسطينية املحتلة، ومن املستحيل أن تعثر على حركة سياسية أو حزب يعتبر القدس الشرقية أر ًضا فلسطينية محتلة. إن حق العودة والتعويض لالجئني الفلسطينيني، كما تنص عليه القرارات واألعراف الدولية، لم يعد موضوًعا تتناوله النخب السياسية الصهيونية بالنقاش. لقد أصبحت إسرائيل الثالثة مقبولة في الغرب وقسم من العالم العربي الشرقي، كدولة استعمارية تج ّسد االستعمار الكولونيالي، دون أن يشعر أحد بالحرج لذلك. وأصبح نظام الفصل العنصري في األراضي ًا طبيعية للغاية .الفلسطينية املحتلة وواقع العنصرية املقيت داخل إسرائيل أمور 

اسرائيل الثالثة والسابع من اكتوبر 2023 

تشريح خطاب اإلبادة والنزعات الفاشية في السياسة اإلسرائيلية املعاصرة يظهر لنا جليا كيف أصبحت النتانياهوية االيدلوجية الوحيده املعتمده من قبل النخب السياسيه في اسرائيل. أثناء حربة اإلبادة والتهجير عّلى أبناء الشعب لفلسطيني في قطاع 

25 ايـة اســرائــيل نـواجـه؟

غزه والتي انتقلت إلى مناطق شاسعه في الضفة الغربيه وبالتحديد في مناطق أ ومناطق ب وفقا للتقسيم املعمول به في إطار اتفاقيات أوسلو تجددت هذه االيدلوجية .ًفي الخطاب السياسي واإلعالمي وفي العمل العسكري امليداني أيضا 

اإلطار املفاهيمي: تحول الخطاب من الهامش إلى املركز السيادي 

تمثل املرحلة التي أعقبت أحداث السابع من أكتوبر 2023 نقطة تحول بنيوية في الخطاب السياسي والعسكري واالعالمي اإلسرائيلي الصهيوني، حيث انتقلت اللغة االستئصالية والنزعات الفاشية التي زرعتها النتياهويه قبل الحرب من حيز الهوامش 

األيديولوجية إلى قلب املؤسسة الرسمية وصناعة القرار السيادي. إن هذا التحول ال يمكن اختزاله في كونه مجرد رد فعل عاطفي على هجوم مفاجئ، بل هو تعبير عن نضوج أيديولوجي لنزعات إقصائية تراكمت عبر سنني من االحتالل واالستيطان، ووجدت في لحظة األزمة فرصة للبروز كاستراتيجية علنية للدولة. يشير خبراء دراسات اإلبادة الجماعية إلى أن هذا الخطاب، حني يصدر عن قيادات عليا في الهرم ً عن الغضب ليصبح "نية إبادة جماعية" (Genocidalالسلطوي، يتجاوز كونه تعبيرا ً في توصيف الجرائم الدولية.ً وحسماIntent(، وهو الركن املعنوي األكثر تعقيدا لقد أدت هذه التصريحات إلى خلق ما يسميه األكاديميون "الفراغ الداللي" (Void Semantic (في الفضاء العام للمجتمع، حيث يتم تجريد الضحايا من صفتهم اإلنسانية عبر لغة استعارية مكثفة تحولهم من بشر إلى كائنات بيولوجية غير بشرية مما يجعلهم أهداف مشروعة بالكامل ال تنطبق عليها قوانني الحرب. هذا التجريد من اإلنسانية (Dehumanization (يعمل كمحطة مركزية تمر عبرها السياسات االستئصالية والتي أصبحت جزء من خطاب الصهيوينة الجديدة، حيث يتم تصوير الصراع كمعركة وجودية "بني أبناء الحق وأبناء الباطل" أو "بني حضاريني وبرابرة"، هذا هو الدليل العلني عّلى حاشية الصهيوينة الجديدة ونظرتها التحذيرية العنصرية ألهل البلد االصليني. بهذا تجسد الصهيوينة الجديدة مبدأ السيده والعبدية ليست فقط في خطابها وإعالمها بل أيضا في الوعي الجمعي ملجتمعها، وهي، 

26 ايـة اســرائــيل نـواجـه؟

الحضارة والبربر، ثنائيات تهدف إلى إلغاء أي إمكانية للمساءلة األخالقية أو 16 القانونية عن األفعال العسكرية . 

تشريح خطاب القيادة العليا: من النزعة االستئصالية إلى التحريض املباشر 

تعتبر تصريحات الطبقة العليا في الهرم السياسي اإلسرائيلي املحرك األساسي للعمليات العسكرية، وهي توفر الغطاء املعنوي والشرعي للجنود في امليدان الرتكاب أفعال تتجاوز الضرورة العسكرية. إن استخدام مصطلح "الحيوانات البشرية" من قبل وزير الدفاع يوآف غاالنت في التاسع من أكتوبر لم يكن مجرد تعبير عابر، بل ً عن استراتيجية شاملة تضمنت فرض حصار كامل وقطع املياه والغذاءكان إعالنا 

والكهرباء عن أكثر من مليوني إنسان. هذا الربط بني الوصف البيولوجي املتدني (الحيوانات) وبني الحرمان من أساسيات الحياة (املاء والغذاء) يمثل جوهر فعل ّفه االتفاقيات الدولية . ولنتذكر ان مثل هذه العبارات لم تصدر عن17 اإلبادة كما تعر 

شخص او شخصني قيادين فقط في حكومة نتانياهو وبرملان يسرائيل بل عن عدد كبير منهما وتم اعادة وتكرار هذه العبارات مرات عديد عبر وسائل اإلعالم املختلفة لجعل هذا التفكير وهذه املصطلحات جزء من الوعي الجمعي للمجتمع اليهودي في 18 اسرائيل . 

https://www.amacad.org/daedalus/multi-perspectivity-ethical-representation-context- 16 gaza-october-7-addressing-semantic-void 

https://www.natcom.org/wp-content/uploads/2025/01/Resolution-Denouncing-the Dehumanization-of-Palestinians-and-its-Impacts.pdf 

https://en.wikipedia.org/wiki/ 17 

2025_UNHRC_Commission_of_Inquiry_report_on_Gaza_genocide 

https://www.genocidewatch.com/de/single-post/genocide-is-never-justifiable-israel-and hamas-in-gaza 

18 في هذا السياق قام الصحفي وائلة عوادة بفضائية الغد بالتركيز كثيرا إلى هذه النقطة في طالتها اليوميه عن اإلعالم https://youtu.be/FYr8paoLSjE?is=VlP1ZAjJs-w7PkEF للمزيد االسرائيلي 

27 ايـة اســرائــيل نـواجـه؟

خطاب "عماليق" والتوظيف الثيولوجي للعنف 

لقد ذهب رئيس الوزراء بنيامني نتنياهو إلى أبعد من ذلك عبر استحضار نصوص ً اإلشارة إلى "عماليق". فيتوراتية محملة بدالالت استئصالية تاريخية، وتحديدا ُؤمر املحاربون بـالنص الديني الذي استشهد به نتنياهو (صموئيل األول 15:3)، ي "سحق عماليق" وقتل الرجال والنساء واألطفال والرضع، وحتى املاشية. هذا االستحضار للنصوص الدينيه في صراع سياسي اثني هو تأكيد الربط املوضوعي بالنتانياهويه بني الصهيوينة الجديدة ويهودية الدولة. إن استدعاء هذا النص في سياق حرب حديثة يحول النزاع من صراع سياسي أو عسكري إلى عرب دينية إلهية" أو "حرب تطهيرية" ال تقبل القسمة أو التفاوض او التأويل، مما يشرعن 19 الفظائع كواجب ديني مقدس وأمر الهي ال بد من تنفيذه والخضوع ملشيئة الرب . أكدت لجنة التحقيق التابعة لألمم املتحدة أن هذه التصريحات، خاصة حني تصدر ًعن شخصيات بمستوى نتنياهو والرئيس إسحاق هيرتسوغ، تشكل "تحريضا ً على اإلبادة الجماعية". والتحريض في القانون الدولي هو جرم بحدً وعلنيامباشرا 

ً إلى إبادة كاملة أم ال، ألنُعاقب عليه بصرف النظر عما إذا كان قد أدى فعلياذاته، ي 

الغرض منه هو تهيئة البيئة النفسية واالجتماعية لقبول الجريمة الجماعية 20 وتنفيذها . 

تعميم املسؤولية وإلغاء صفة املدني. 

ً في األوساط الغربيةُقدم غالباأدلى الرئيس اإلسرائيلي إسحاق هيرتسوغ، الذي ي 

والعربيه كشخصية معتدلة، بتصريحات ّحملت املجتمع الفلسطيني الغزي بأكمله ً أن "هناك أمة كاملة وهناك مسؤولة"،املسؤولية عن أحداث السابع من أكتوبر، زاعما ً وجود مدنيني غير متورطني. هذا الخطاب الذي يلغي مبدأ "التمييز"ونافيا 

https://halifax.citynews.ca/2024/01/18/harsh-israeli-rhetoric-against-palestinians- 19 /becomes-central-to-south-africas-genocide-case 

https://www.ohchr.org/en/press-releases/2025/09/israel-has-committed-genocide-gaza- 20 strip-un-commission-finds 

28 ايـة اســرائــيل نـواجـه؟

(Distinction (بني املقاتلني واملدنيني يمثل ركيزة أساسية في الفكر الفاشي الذي 21 يرى في "اآلخر" كتلة صماء معادية يجب التعامل معها كهدف واحد . تتجلى خطورة هذا الخطاب في املمارسة امليدانية؛ فعندما يقتنع الجندي بأن كل من يتحرك في غزة هو جزء من "أمة مسؤولة" أو "إرهابي محتمل"، تصبح القواعد امليدانية لالشتباك فضفاضة لدرجة تسمح باستهداف األطفال والنساء والشيوخ دون رادع مهني أو أخالقي. وقد وثقت املنظمات الحقوقية، مثل "بتسيلم"، كيف أدى هذا الخطاب إلى تبني سياسة "األرض املحروقة" وتدمير مربعات سكنية كاملة بحجة أنها 22 "بنية تحتية إرهابية" . هذا التعميم وعدم التفرقة هو تجسيد راسخ ملعادلة السيده والعبدية التي تعتمدها النتانياهويه في تعاملها مع الشعب الفلسطيني. 

تغلغل الكهانية وتحول املركز السياسي نحو الفاشية الجديدة 

ال يمكن فهم شدة وكثافة الخطاب العنصري الحالي دون تحليل صعود التيار "الكهاني" (Kahanism (من هوامش السياسة اإلسرائيلية املنبوذة إلى مراكز القوة الوزارية السيادية. والننتانياهويه هي التي مهدت لهذا التيار باالنتشار داخل املجتمع 

االسرائيلي وأيضا في داخل صفوف حزب الليكود كما تظهر تصريحات العديد من وزراءهم وشخصياتهم القياديه. إن أيديولوجية الحاخام مير كاهانا، التي ُصنفت في الثمانينيات كأيديولوجية "فاشية وعنصرية" وتم منع حزبه من دخول الكنيست، أصبحت اليوم هي "اللغة املرجعية" للوزراء الذين يشكلون العمود الفقري للحكومة 23 الحالية، مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش . كما واها أصبحت جوهر ما اسميه ″برأس املال العنصري″ في عالم السياسه االسرائليه الداخليه. 

سموتريتش وبن غفير: الفاشية كبرنامج عمل حكومي 

ً بأنه "فاشي" فيً في وصف نفسه سابقابتسلئيل سموتريتش، الذي لم يجد حرجا ً إلى "محو" قرى فلسطينية والقيام بـ "نكبة جديدة"سياقات أيديولوجية، دعا علنا 

/https://www.arabnews.jp/en/uncategorized/article_106655 21 

https://jier.um.edu.my/index.php/hscps/article/download/62623/18654 https://www.btselem.org/press_releases/20250728_our_genocide 22 

/https://www.972mag.com/kahanism-israeli-politics-likud 23 

29 ايـة اســرائــيل نـواجـه؟

تتجاوز في آثارها نكبة عام .1948 كما طرح "خطة الحسم" التي ال تترك للفلسطينيني سوى ثالثة خيارات: العيش تحت السيادة اليهودية كـ "رعايا" دون ً للفكر الفاشيً نقياحقوق سياسية، أو الهجرة، أو القتل. هذا الطرح يمثل تجسيدا الذي يقدس السيادة اإلثنية املطلقة ويطالب بالتطهير العرقي كوسيلة لضمان 24 التجانس القومي . 

أما إيتمار بن غفير، وزير األمن القومي، فقد استغل منصبه لتحويل الشرطة اإلسرائيلية إلى أداة لتعزيز التفوق اليهودي، وقام بتسليح امليليشيات االستيطانية "فرق الدفاع" التي تشن هجمات ممنهجة ضد الفلسطينيني في الضفة الغربية. إن ُعتبرخطابه املوجه للمستوطنني والجنود يقوم على فكرة "سيد األرض"، حيث ي ً يجب إخضاعه باستمرار عبر العنف املفرط .25 الفلسطيني كائنا 

الكهانية كإطار للعمليات العسكرية في غزة 

يرى املحللون األكاديميون أن الحرب الحالية في غزة هي "الحرب الكهانية األولى" في تاريخ إسرائيل؛ فهي حرب ال تهدف فقط إلى تحقيق أهداف عسكرية تكتيكية، بل تسعى إلى تنفيذ رؤية كاهانا في "تطهير األرض" وإعادة االستيطان. وقد تجلى ذلك في مؤتمرات "العودة إلى غزة" التي حضرها وزراء ونواب اسرائيليون، حيث تم تداول خرائط لالستيطان املستقبلي فوق أنقاض املدن الفلسطينية املدمرة في قطاع 26 غزة . 

أرشيف التحريض: توثيق منهجي لخطاب اإلبادة 

قامت منظمات حقوقية وبحثية، أبرزها منظمة "Palestine for Law"، بتدشني قاعدة بيانات ضخمة توثق أكثر من 500 تصريح تحريضي صادر عن مسؤولني إسرائيليني منذ السابع من أكتوبر. هذه البيانات ال تقتصر على التصريحات العابرة، بل تشمل منشورات مدروسة على وسائل التواصل االجتماعي، مقابالت تلفزيونية، 

https://www.versobooks.com/blogs/news/the-war-on-gaza-and-israel-s-fascism-debate 24 https://news.un.org/en/story/2023/12/1145132 25 

https://www.theguardian.com/news/2025/mar/20/meir-kahane-israel-kach-ben-gvir- 26 long-dead-extremist 

30 ايـة اســرائــيل نـواجـه؟

وتصريحات رسمية من داخل الكنيست. إن منهجية هذا التوثيق تهدف إلى إثبات أن ً"، بل هو "سياسة تواصلية" تهدف إلى خلق إجماعالتحريض ليس "استثناء 

27 مجتمعي على ارتكاب الجريمة . 

بنية التعذيب ونظام السجون: "مرحبا بكم في الجحيم" 

لم يقتصر الخطاب الفاشي على غزة، بل امتد ليشمل نظام السجون الذي تحول إلى ً لتقرير منظمة "بتسيلم" املعنون بـ "أهالً بكم فيشبكة من "معسكرات التعذيب" وفقا الجحيم". منذ السابع من أكتوبر، تضاعف عدد املعتقلني الفلسطينيني ليصل إلى ما يقرب من 10,000 معتقل، يعيشون في ظروف تفتقر ألدنى املعايير اإلنسانية. تضمنت الشهادات املوثقة ممارسات وحشية شملت: التحرش الجنسي واالغتصاب، التجويع املتعمد، الحرمان من النوم، ومنع العالج الطبي. إن هذه املمارسات ليست أفعاالً فردية لجنود ساديني، بل هي "سياسة مؤسسية" مدفوعة بتوجيهات مباشرة من ً بتشديد الظروف على األسرىوزير األمن القومي إيتمار بن غفير، الذي تفاخر علنا 

وحرمانهم من حقوقهم األساسية. إن تحويل السجن من أداة ضبط قانونية إلى أداة لالنتقام الجسدي والنفسي هو أحد أوضح املؤشرات على تحول الدولة نحو الفاشية 28 املطلقة . ويخطئ من يظن بان بن غفير يعمل كشخص لوحده، هو جزء من منظومة تم بناءها منذ سنني طويله شكلت في نهاية املطاف النتانياهويه بكل تجلياتها االستعالئية والعنصريه. 

قمع املعارضة والتحول السلطوي في الداخل اإلسرائيلي 

أحد الخصائص الجوهرية للفاشية، كما حددها الفيلوسفني أمبرتو إيكو وهانا أرندت، هي عدم التسامح مع أي صوت معارض داخلي ووسم املعارضني بـ "الخونة". لقد شهد املجتمع اإلسرائيلي بعد أكتوبر 2023 حملة قمعية شرسة ضد األكاديميني، 

https://law4palestine.org/law-for-palestine-releases-database-with-500-instances-of- 27 /israeli-incitement-to-genocide-continuously-updated 

https://www.btselem.org/sites/default/files/publications/ 28 

202408_welcome_to_hell_summary_eng.pdf 

31 ايـة اســرائــيل نـواجـه؟

املعلمني، والناشطنيً،بالغالب من أبناء األقلية الفلسطينة في اسرائيل وبعد اليهود، 29 الذين تجرأوا على نقد الحرب أو التعبير عن تعاطفهم مع الضحايا الفلسطينيني . لقد تم اقتراح قوانني (حظيت بتأييد أغلبية الكنيست) تفرض طرد األكاديميني الذين "يحرضون ضد الدولة" أو يعبرون عن "تأييد لإلرهاب"، وهي مصطلحات فضفاضة 

ُستخدم إلسكات أي نقاش حول طبيعة العمليات العسكرية في غزة. إن مالحقةت املعلم مئير باروخني وسجنه ملجرد نشره تعزية في أطفال غزة، أو فصل الطبيب الرفيع ً (الشهادة)، يمثالنه "تصفية" للمجال العام من أي فكر نقدي .ً دينيا 

30 لنشره نصا هذا التحول السلطوي يمتد ليشمل املؤسسات األكاديمية التي بدأت تفقد استقالليتها، حيث تم منح ائتمانات أكاديمية للطالب املنخرطني في منظمات يمينية متطرفة مثل "إم تيرتسو"، التي تخصصت في مالحقة املحاضرين اليساريني. يرى الباحثون أن هذه اإلجراءات تهدف إلى خلق "إجماع قسري" يدعم سياسات اإلبادة 31 ويمنع أي مراجعة أخالقية لنتائج الحرب . 

األبعاد القانونية الدولية: املواجهة في الهاي 

شكلت التصريحات العنصرية والتحريضية الركيزة األساسية في الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية. لقد جادلت جنوب أفريقيا بأن "نية اإلبادة" ال تحتاج إلى استنتاج، بل هي "معلنة بوضوح" في خطابات نتنياهو وغاالنت وهيرتسوغ.32 

أصدرت املحكمة عدة أوامر بالتدابير املؤقتة، مؤكدة أن "حق الفلسطينيني في الحماية من اإلبادة الجماعية هو حق معقول وقابل للتحقق". ومع ذلك، فإن التجاهل 

/https://forward.com/opinion/618223/israel-fascism-academic-dissent-law-crackdown 29 

https://thephilosophicalsalon.com/fascism-from-the-standpoint-of-its-racialized- 29 /victims 

/https://forward.com/opinion/618223/israel-fascism-academic-dissent-law-crackdown 30 

https://www.amacad.org/daedalus/multi-perspectivity-ethical-representation-context- 31 gaza-october-7-addressing-semantic-void 

https://www.pbs.org/newshour/world/read-the-full-application-bringing-genocide- 32 charges-against-israel-at-un-top-court 

32 ايـة اســرائــيل نـواجـه؟

اإلسرائيلي لهذه األوامر، واستمرار التصريحات التحريضية، واستهداف املناطق التي ُصنفت "آمنة" (مثل رفح واملواصي)، يعزز القناعة بأن إسرائيل ترى نفسها فوق القانون الدولي، وهو سلوك ينسجم مع الرؤية الفاشية التي ترى في القوة القومية 33 املرجع الوحيد للحقيقة والعدالة . 

التقييم التحليلي: نحو "واقع الدولة الواحدة" الفاشية 

يشير تحليل الخطاب األكاديمي املعاصر إلى أن إسرائيل تنتقل من نموذج "االحتالل املؤقت" إلى "واقع الدولة الواحدة" (Reality State-One(، ولكن بنسخة إثنو- فاشية. في هذا الواقع، تسعى الدولة إلى فرض سيادة يهودية كاملة "من النهر إلى البحر"، مع تحويل الفلسطينيني إلى مجرد "مشكلة ديموغرافية" يجب حلها عبر 34 الترحيل أو اإلخضاع العنيف . هذه هي الحقيقه الكامنه وراء الصهيوينة الجديده. إن تداخل "الفاشية االستعمارية" مع "الراديكالية الدينية" قد أنتج كيمياء سياسية شديدة االنفجار. فمن جهة، هناك الرغبة االستعمارية في السيطرة على األرض، ومن جهة أخرى، هناك الهوس الديني بـ "الخالص" عبر تطهير األرض من "الغرباء". هذا ً عن الحروب السابقة؛ فهي حرباملزيج هو ما يجعل الصراع الحالي في غزة مختلفا 

"أيديولوجية استئصالية" بامتياز، ال تهدف إلى التفاوض على حدود، بل إلى حسم 35 الوجود . 

https://www.icj-cij.org/node/203447 33 

https://www.international.ucla.edu/israel/currents/article/278253 34 

https://www.thecairoreview.com/essays/when-european-semi-fascism-and-israeli- 35 /occupation-converge 

33 ايـة اســرائــيل نـواجـه؟

34 ايـة اســرائــيل نـواجـه؟