كثر الكلام والتعليق حول الدور المصري، المُبهم للوهلة الأولى، في محاولات التوصل الى هدنة طويلة الأمد بين الاحتلال الإسرائيلي وفصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة. بعض المتابعين رحبوا بالجهود المصرية وأشادوا بدور القاهرة المحوري في الشأن الفلسطيني، وبعضهم الآخر رأى في الوساطة المصرية تفلتياً من الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني ومحاولة لإفراغ المقاومة من محتواها.

الحقيقة أن الدور المصري مر بمراحل متعددة منذ بدء الأزمة. في الأيام الأولى للحرب كانت مصر أول من دعا لوقف إطلاق النار ووضع مبادرة مصرية للتهدئة تقوم على وقف القتال أولاً والتفاوض ثانياً. رفضت فصائل المقاومة المبادرة المصرية الأولى لما رأت فيه تجاهل لمطالبها المشروعة بالتخفيف من حصار غزة المفروض منذ سنوات.

مصر التي يقودها النظام الحالي ترى في حماس حركة مناوبة للخطر مشتقة من الجماعة الأم للإخوان المسلمين التي تصنفها القاهرة منظمة إرهابية. هذا التصنيف جعل من العلاقات بين مصر وحماس علاقات توتر وقطيعة تامة. على الرغم من ذلك بذلت مصر جهوداً وسعت لتحقيق الهدنة ورفع معاناة الشعب في القطاع المحاصر.

التحرك القطري المتوازي والمفاوضات التي جرت في الدوحة وقطر محاولات للتسلل إلى الملف الفلسطيني واستعادة دور قطر الذي تراجع بعد التحولات في المنطقة. قطر التي تدعم حماس مالياً وسياسياً وجدت في الأزمة فرصة للعودة إلى الساحة. التنافس القطري المصري على دور الوسيط الأول كان واضحاً في الأشهر الأخيرة وما زال مستمراً.

الفصائل الفلسطينية نفسها منقسمة حول الخيارات المطروحة. حماس تميل للوساطة القطرية وقسم من الفصائل يرى في الجهود المصرية ضماناً أفضل لفتح المعابر ورفع الحصار. العميد في حكومة الوحدة الوطنية الجديدة يجد نفسه بين مطرقة التناقضات الإقليمية وسندان الانقسام الداخلي.

ما بعد الهدنة يتطلب جهوداً حقيقية لإعادة الإعمار وفتح المعابر وتشغيل المعدّم. مؤتمر الإعمار الموعود في القاهرة لم يجمع سوى تعهدات ورقية والوعود الدولية ما زالت حبيسة الأدراج. الشعب الفلسطيني في القطاع المحاصر يدفع الثمن الغالي لكل هذه المماطلة والتنافس الإقليمي على حساب القضية.

المطلوب من فصائل المقاومة والقوى الوطنية وحدة الصف والتصعيد بمطالب واضحة وبرنامج موحد. المطلوب من مصر وقطر ودول الإقليم فصل القضية الفلسطينية عن المحسوبية والتنافس الإقليمي. المطلوب من المجتمع الدولي ضغط حقيقي على الاحتلال لرفع الحصار وفتح المعابر والسماح بمواد الإعمار.

التهدئة ليست غاية بحد ذاتها بل وسيلة لبناء الثقة وخلق آفاق للحل الشامل العادل الذي ينهي معاناة الشعب الفلسطيني ويحقق حقوقه المشروعة في الحرية والاستقلال والدولة بعاصمتها القدس.