من الطبيعي أن تكون دبلوماسية التهدئة هي الخطوة اللاحقة والصحيحة لكل صراع مسلح بين طرفين لإيجاد حل يرضي طرفي الصراع وينهي معاناة المواطنين والدمار والأضرار التي تحيق بالمجتمع وتضعف الأوطان.

مرت عشرات الأيام على اندلاع الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة، وما زالت العواقب المهولة للحرب تمتد بكل أبعادها الإنسانية والسياسية والاقتصادية. سقط عشرات الأبرياء ومئات الجرحى وألآلاف من المناز المدمرة وما زالت كلفة الحرب الإنسانية تتصاعد.

مع نهاية الحرب بدأت الجهود المصرية والأمريكية والإقليمية بالتحرك لإيجاد صيغة للتهدئة بين فصائل المقاومة الفلسطينية وسلطة الاحتلال الإسرائيلي. التهدئة التي دامت أشهراً لم تحقق بعد أهدافها المنشودة ولا استتب الأمان في الشارع الفلسطيني ولا عادت الحياة إلى طبيعتها.

ما يلاحظه الراصد للمشهد الفلسطيني بعد الحرب أن قيادات فصائل المقاومة خرجت للإعلام ولقاءات عدة متواترة تؤكد بأن مسار التهدئة سيفشل وأن الهدنة الهشة لن تسمح بتحقيق حقوق الشعب الفلسطيني. صحيح أن الحرب الأخيرة أثبتت بأن جانب المقاومة يملك أدوات ضغط يمكنها من خلالها مضايقة الاحتلال وتهديد أمنه الداخلي لكن صحيح أيضاً أن ميزان القوى العسكري يرجح كفة الاحتلال بشكل كبير جداً.

الحرب الأخيرة أخرجت فصائل المقاومة من أزمة هوية ومشروعية كانت تعيشها منذ سنوات وخصوصاً بعد الانقسام الأزيز الدموي الذي طال أمده. لكن الانتصار الميداني والحرب نفسها ليست هدفاً بحد ذاتها بل وسيلة لتحقيق غايات وطنية سامية. هنا تنكشف أزمة فصائل المقاومة الحقيقية: لا رؤية سياسية واضحة لمستقبل الشعب الفلسطيني ولا برنامج اقتصادي لاعادة الاعمار ولا أجندة سياسية موحدة للتعبير عن أهداف المرحلة القادمة.

مصر هي الجهة الإقليمية الأولى ذات الشأن في الملف الفلسطيني. العلاقات التاريخية والجغرافية بين مصر وفلسطين تجعل من القاهرة وجهة لا بد منها في أي مفاوضات أو تهدئة. هذه الورقة المصرية يلاعبها الجميع وتحاول مصر استغلال كل فرصة لتثبيت مكانتها كحاسم أساسي في المعادلة الفلسطينية وبقيادة النظام الحالي تعود مصر للساحة الإقليمية بعد سنوات من الركود السياسي والانسحاب من دورها الإقليمي.

الكلمة المصرية الأخيرة قبل إقرار الهدنة كانت واضحة: من يرفض الهدنة سيُحمّل المسؤولية الكاملة. ضغط مصر وتهديداتها بتصعيد الوضع وتشديد الحصار على القطاع كان لها أثرها في القبول النهائي لهدنة غير مكتملة الأهداف. الدور المصري ليس بدون نقد لكنه في النهاية الجهة الوحيدة القادرة على الضغط على كل الأطراف.

التفاؤل الحذر هو العبارة الأنسب لوصف المرحلة القادمة. التهدئة لم تحسم أي قضية جوهرية من القضايا الأساسية: لا فك حصار ولا موانئ عاملة ولا حق العودة ولا تسريح الأسرى. المطلوب هو تحويل الهدنة الهشة إلى هدنة مستدامة تتخللها مفاوضات جادة تؤدي إلى حل عادل وشامل.

على فصائل المقاومة أن تدرك أن الوحدة الوطنية هي الأساس وأن الخلافات الإعلامية لا تخدم القضية. وعلى الاحتلال أن يدرك أن العسكرية لا تحل المشكلات وأن الحل الوحيد هو إنهاء الاحتلال والاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني.

ما حصل وما يحدث من الجهود المصرية والتحركات الإقليمية يؤكد أن المنطقة تعيش على مهب الريح وأن أي شرارة قد تشعل الحرب من جديد. الحل هو العودة إلى شرعية دولية ومفاوضات حقيقية بقرار دولي ملزم يرضي الشعب الفلسطيني ويضمن حقوقه الكاملة.