عندما يصبح المسجد أهم من قوت البشر!

مقالة بصفحة – ٣
بقلم رائف حسين*
عندما يصبح المسجد أهم من قوت البشر!

قبل أيام حصل حادث مروع في مدينة غزة. قلة من وسائل الاعلام قامت بنشر الخبر والغريب أن أحدا لم يعلق على الحدث. أخوان في عنفوان الشباب قاما بإحراق جسديهما إحتجاجاً على تعامل سلطة حماس غير الإنساني تجاههما وتجاه عائلاتهما. لحسن حظ أهل الشابين قام بعض المارة بإطفاء الجسدين قبل فوات الأوان. الأخوان وعائلاتهما يعتاشون من مصنع للطوب شيدته العائلة قبل سنوات على أرض مشاع تابعة لبلدية غزة. العائلة كانت قد إستأجرت الأرض من الدولة وتعمل بكد لإطعام أطفالها كما هو حال مئات الآلاف من العائلات في فلسطين المحتلة.
قبل عدة أسابيع وصلهم كتاب من سلطة حماس يدعوهم لإخلاء قطعة الأرض وذلك لنية سلطة حماس بأن تبني جامع على قطعة الأرض. الإخوة عبروا عن إعترضهم وحاولوا إقناع المسؤولين بأن مصير عائلاتهم مرتبط بإستمرار العمل في المصنع واستنجدوا بالمقربين من أصحاب القرار ولكن دون نتيجة. المحسن الذي تبرع ببناء المسجد مصر على موقفه وكذلك سلطة حماس التي تصر على مكافأة المحسن الذي يتبرع ببناء بيت لله دون أية إعتبارات أخرى. الله وبيته، حسب قانون الطبيعة الإخواني، فوق كل إعتبار!
من الممكن ان تكون سلطة حماس قد تصرفت ضمن القانون! لكننا نرى أن تصرفها هذا يتسم بإنعدام المسؤولية والإنسانية معا، كما أنه ليس تصرف واحد يتيم، بل حلقة إضافية من سلسلة محاولات متتالية ومكثفه لأسلمة المجتمع وفقا للرؤيا والأجندة الحمساوية، وهي على أي حال، أي هذه الاجندة، من أهم أركان أيديولوجيات الإخوان المسلمين عامة وليس فقط في فلسطين. كما ان „شرطة الآداب“ الفاعلة في قطاع غزه، كما تسمى قوات فرض الأسلمة، للتمويه، ما هي إلا وسيلة إضافية من وسائل تحقيق وفرض نمط الحياة الإخواني على المجتمع بالقوه والبلطجة. أضف إلى هذه الممارسات، وللهدف ذاته، باشرت سلطة حماس وأجهزتها بعد الانقلاب بسن قوانين غريبة عن المجتمع الفلسطيني وعاداته وتراثة العريق كتلك التي تمنع المرأة من تدخين الآرجيله في الأماكن العامة وأخرى لمنع الإستماع لأنواع معينة من الموسيقى الشبابيه، منع
الإختلاط بين الجنسين في الأعراس والمطاعم ومراقبة مناطق الإستجمام على الشاطئ وصولا الى منع الشبيبة وملاحقتهم إن لبسوا أنواعا معينة من سراويل الجينز، كما أعطت سلطة حماس تعليمات لقواتها الأمنية بملاحقة المخلين بالأدب العام والمسيئين لنمط الحياة الإسلامي. تحاول حماس، وحتى من قبل إستلامها للسلطة، تارة بالترغيب وتارة أخرى بالترهيب، إجبار المجتمع الفلسطيني التخلي عن تراثه العريق ونمط حياته الحر والانتقال للعيش بنمط حياة رجعي إخواني، وكأنهم لم يتعلموا من التاريخ ولا من تجارب الشعوب الاخرى التي سارت على هذا المنوال ودمرت مجتمعاتها وحضارتها بإسم الدين والتدين. وعلى الرغم من أن سلطة حماس قد أُجبرت تحت الضغط الجماهيري المتكرر من التراجع عن عدد من القوانين والتعليمات المنفرة، إلا أن الزائر لقطاع غزة اليوم يلحظ بوضوح التغيرات الإجتماعية الحاصلة والتي فُرضت على المجتمع من قِبل سلطة حماس.
بالعودة الى موضوع هذه المقالة، فإن بناء المساجد المبالغ به يتطابق كذلك مع فلسفة الإخوان لأسلمة المجتمع بالقوة. حيث تضاعف عدد المساجد في غزة خلال العقدين الأخيرين ليصبح أكثر من ١٢٠٠ مسجد، مقارنة بعددها سنة ١٩٦٧ والذي إقتصر على ٢٠٠ مسجد. كم تجدر الإشارة الي أنه وفي هذه الفترة أيضا، أي منذ بداية الاحتلال وحتى اليوم تضاعف عدد الغرف التدريسية الجديدة التي بنيت في القطاع مرة واحدة، أما عدد المساجد فقد إزداد بخمسة أضعاف!
إن محاولة الأخوين المذكورين أعلاه في التصدي لقرار سلطة حماس وإنقاذ مصدر معيشة عائلاتهما الوحيد هي رفض آخر لممارسات الأسلمة الإجبارية وصرخة كفى عالية في وجه المنظّرين الحمساويين. إحتجاج الأَخوان بحرق جسديهما هو مظاهرة أخرى ضد نمط الحياة الإخواني وهبة تأييد ودعم للتراث الفلسطيني والصمود الغزاوي الاسطوري ونمط الحياة العربي الأصيل الذي عجز الاحتلال الصهيوني رغم جبروته عن كسره.
هذه المحاولة رغم مأساتها, هي برهان قاطع على أن أولويات الشعب الفلسطيني تختلف تماما عن تلك الحمساوية الإخوانية الرجعية. الإيمان والتقوي والعبادة هي كلها أمور روحانية شخصية مباشرة بين الخالق عز وجل وعباده على الأرض. هكذا أرادها الله أن تكون, وهكذا أنزلها علينا في كتبه السماوية. أما محاولات المجموعات الإسلامية كالإخوان والسلفيون وغيرهم بالقيام بدور الممثل الشرعي والوحيد لرغبة الخالق على الارض وتثبيت إرادته, فما هي الى تحريف وتزوير لارادة الله عز وجل وقدرته على التواصل الروحاني مع عباده. الايمان والتقوى والعبادة وحب الخير للآخر لا تحتاج الى وسيط ولا تحتاج إلى الآلاف من بيوت العبادة، ونعتقد دون أدنى شك أن قوت الأطفال وأمن العائلة أهم للخالق عز وجل من عمارات تكلف الملايين!
نعم أيها الإخوة في حماس، نحن بداية فلسطينيون وبعدها عرب ناطقون بالضاد ومن ثم مسلمون ومسيحيون. هذه هي تدرجات الهوية الوطنية الفلسطينية التي دافعنا منذ أكثر من خمسة وستين عاما عن محاولات محوها وتحريفها, وسندافع حتى الرمق الأخيرعن كل محاولات تشويشها وتزويرها.

ا

Schreibe einen Kommentar

Deine E-Mail-Adresse wird nicht veröffentlicht. Erforderliche Felder sind mit * markiert.